روسي اختار حياة المغامرة فدخل التاريخ

إعداد – روسيانا
في القرن التاسع عشر، عندما كانت الرحلات إلى المناطق النائية من العالم محفوفة بالمخاطر، اختار عالم روسي شاب أن يذهب إلى واحدة من أكثر المناطق عزلة آنذاك، ليعيش بين سكان غينيا الجديدة ويدرس حياتهم وثقافتهم ولغاتهم.
كان نيكولاي ميكلوخو-ماكلاي عالماً في الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا والأحياء ومستكشفاً روسياً، وُلد عام 1846، ودرس في عدد من الجامعات الأوروبية، قبل أن يبدأ سلسلة من الرحلات العلمية التي قادته إلى جنوب شرق آسيا وأستراليا وأوقيانوسيا وغينيا الجديدة.
رحلة غير عادية
عام 1871 وصل ميكلوخو-ماكلاي إلى الساحل الشمالي الشرقي لغينيا الجديدة، وأقام بين السكان المحليين لفترات طويلة، محاولاً التعرف إلى مجتمعهم من الداخل بدلاً من الاكتفاء بملاحظات الرحالة من بعيد.
وعاد إلى المنطقة في رحلات لاحقة، بينها رحلة طويلة بين عامي 1876 و1877، ثم زيارة أخرى عام 1883. وخلال إقامته، درس عادات السكان ولغاتهم وبنيتهم الاجتماعية، وسجل ملاحظات ورسومات أصبحت لاحقاً جزءاً مهماً من إرثه العلمي.
فكرة مرفوضة
ما جعل ميكلوخو-ماكلاي أكثر من مجرد مستكشف هو موقفه من الشعوب التي درسها.
في زمن كانت فيه بعض النظريات الأوروبية تنظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم أقل تطوراً، دافع العالم الروسي عن وحدة النوع البشري ورفض الأفكار التي صنفت بعض الشعوب باعتبارها مرحلة أدنى من الإنسان. كما عارض تجارة الرقيق والاستغلال الذي تعرضت له شعوب منطقة المحيط الهادئ.
ولذلك ارتبط اسمه لاحقاً بساحل في شمال شرق غينيا الجديدة عُرف باسم «ساحل ميكلوخو-ماكلاي»، وهو امتداد ساحلي يبلغ نحو 300 كيلومتر.
شخصية في ذاكرة السكان
المثير في قصته أن أثره لم يبقَ في الكتب العلمية فقط، فقد أصبح ميكلوخو-ماكلاي شخصية معروفة في الذاكرة الشعبية لدى بعض المجتمعات التي عاش بينها، وظهرت حوله روايات وحكايات محلية بعد رحيله، ما يعكس حجم الأثر الذي تركه وجوده بينهم.
وعلى الرغم من كثرة رحلاته وأعماله العلمية، كانت حياته قصيرة، إذ توفي في سان بطرسبورغ عام 1888 عن عمر 41 عاماً، بعد سنوات من المرض.
إرث تجاوز حدود روسيا
ترك ميكلوخو-ماكلاي نحو 160 عملاً علمياً، معظمها مقالات وملاحظات، وأصبح اسمه مرتبطاً بتاريخ دراسة شعوب أوقيانوسيا وغينيا الجديدة.
وتبقى قصته واحدة من الحكايات الروسية التي تستحق أن تُروى من جديد؛ شاب عالم غادر بلاده إلى أماكن بعيدة، وعاد منها ليس بالثروات أو الأراضي، وإنما بملاحظات علمية وثقافية جعلت اسمه حاضراً بعد أكثر من قرن على وفاته.




