ماتريوشكاهيدلاينز

الرجل الذي ينقذ ذاكرة القرى الروسية

إعداد – روسيانا

في بعض القرى الروسية، لا تختبئ الحكايات في الكتب أو المتاحف، بل تبقى في ذاكرة كبار السن، وفي صناديق خشبية قديمة، وفي أغنية تعرفها امرأة مسنّة، أو صورة احتفظت بها عائلة لعقود.

لكن ماذا يحدث عندما يرحل أصحاب هذه الذكريات؟
في أودمورتيا الروسية، اختار ألكسندر يومينوف أن يبحث عن تلك القصص قبل أن تضيع، متنقلاً مع فريقه بين القرى، ليس لجمع التحف القديمة فحسب، وإنما لتسجيل الأصوات والذكريات والأغاني والصور والعادات التي صنعت حياة المجتمعات الريفية على مدى أجيال.

من الموسيقى إلى ذاكرة القرى
لم يبدأ يومينوف من المتاحف، بل من عالم الموسيقى والثقافة. فقد ارتبط اسمه منذ سنوات بالمشهد الموسيقي في أودمورتيا، قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى العمل الثقافي والمشروعات المرتبطة بالقرى والتراث الشعبي.

وانتقل لاحقاً إلى نيجني نوفغورود، حيث واصل عمله في المجال الثقافي، لكنه لم يبتعد عن أودمورتيا. ومع فريقه، بدأ تنظيم رحلات إلى قرى في شمال الجمهورية، وهي مناطق ما زالت تحتفظ بجزء كبير من الفولكلور المحلي والموروثات القديمة.

عندما تصبح الذاكرة معرضاً
ما يميز مشاريع يومينوف أنه لا يتعامل مع القرية باعتبارها مكاناً يحتوي على مجموعة من الأدوات القديمة فقط.

فالمتحف بالنسبة إليه يمكن أن يحتفظ بصوت شخص، أو تسجيل لأغنية شعبية، أو قصة يرويها أحد سكان القرية، أو صورة قديمة، إلى جانب الأشياء التي كانت جزءاً من الحياة اليومية.

ومن هنا ظهرت فكرة إنشاء أرشيف عام للثقافة التقليدية في أودمورتيا، بحيث تكون المواد التي يجري جمعها متاحة للباحثين والجمهور، ولا تبقى حبيسة ذاكرة أصحابها.

قرى اختفت.. لكن أصواتها بقيت
من أبرز مشروعات يومينوف «متحف القرى المختفية» في قرية سيب بأودمورتيا.

المتحف لا يكتفي بعرض مقتنيات قديمة، بل يحاول إعادة بناء صورة الحياة في قرى لم تعد موجودة. وتضم مواده صوراً وألبومات وقصصاً وتقاليد، بل وحتى تسجيلات لأصوات سكان القرى التي اختفت.

ويضم المشروع معلومات عن سبع قرى، جُمعت من خلال روايات السكان وذكرياتهم وصورهم، لتتحول حياة تلك الأماكن إلى ذاكرة يمكن للأجيال الجديدة الوصول إليها.

ومن أكثر القصص تأثيراً رسالة كتبتها إحدى سكان إحدى تلك القرى قبل عقود، وكانت تتحدث فيها عن المكان الذي بدأ يفقد سكانه وتفرغ شوارعه تدريجياً.

وبالنسبة ليومينوف، فإن مثل هذه الوثائق ليست مجرد أوراق قديمة، بل شهادات على حياة كاملة كانت موجودة ذات يوم.

كنوز مخبأة في الصناديق
وفي مشروع آخر، توجه يومينوف إلى قرية كوزموفير، المعروفة تاريخياً بتقاليد النسيج.

عندما طُلب من سكان المنطقة البحث في منازلهم وصناديقهم القديمة عن قطع مرتبطة بالتراث المحلي، ظهرت مفاجآت لم تكن متوقعة.

فقد عثر المشروع على أقمشة منزلية طويلة يصل بعضها إلى نحو 14 متراً، إلى جانب ملابس وقطع نسيجية ذات تصاميم تقليدية مميزة. ومن بين القطع فستان زفاف عمره أكثر من قرن.

لكن القصة لم تنته عند عرض الفستان خلف زجاج المتحف.

فقد جرى دراسة عناصره والاستفادة منها في تصميم مجموعة جديدة من الملابس، لتعود بعض تفاصيل التراث القديم إلى الحياة من جديد، ويرتديها سكان القرية في حياتهم اليومية، وليس فقط في المناسبات التراثية.

الحكاية التي لا يريد أن تتحول إلى ذكرى
يرى يومينوف أن الثقافة التقليدية لا ينبغي أن تبقى مجرد صورة من الماضي.

ولهذا تحاول مشاريعه الجمع بين كبار السن الذين يحملون الذاكرة وبين الأجيال الأصغر، بحيث لا تكون مهمة حفظ التراث مجرد عملية أرشفة، وإنما وسيلة لإعادة استخدامه وإدخاله في الحياة المعاصرة.

وفي مشروع «حكايات النسيج» في كوزموفير، شارك سكان القرية في جمع القصص والأغاني والصور والأدوات المنزلية، ثم تحولت المواد المتفرقة إلى منشورات ومواد يمكن الاحتفاظ بها والعودة إليها.

متحف يسمع فيه الزائر الماضي
تتجاوز تجربة يومينوف فكرة المتحف التقليدي الذي يدخل إليه الزائر ليرى مجموعة من القطع القديمة.

في أحد مشاريعه، يستطيع الزائر الاستماع إلى تسجيلات للأغاني الشعبية، وسماع أصوات الغابة والطيور والماء والرياح، إلى جانب مشاهدة الصور والفيديوهات المرتبطة بالموروث المحلي.

بهذه الطريقة، لا تصبح القرية مجرد مكان معروض في صورة قديمة، بل تجربة يمكن سماعها ورؤيتها والتعرف إلى تفاصيلها الإنسانية.

من قرية صغيرة إلى ذاكرة مفتوحة
اليوم، يعمل يومينوف على الجمع بين مشروعاته المختلفة ضمن مساحة ثقافية واحدة، تهدف إلى ربط المتاحف والمبادرات الموجودة في القرى المجاورة.

الفكرة الأساسية هي أن يتحول التراث من مجرد حكاية عن الماضي إلى وسيلة للحوار مع الحاضر والمستقبل.

وهكذا أصبحت رحلة رجل بدأ من الموسيقى والثقافة المعاصرة طريقاً مختلفاً لحفظ شيء أكثر هشاشة: ذاكرة الناس.

فحين تختفي قرية، قد تختفي معها البيوت والشوارع، لكن قصة سكانها يمكن أن تبقى، إذا وجد من يصغي إليها ويسجلها قبل أن تصمت.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى