روسيا تحتفل برأس السنة مرتين.. ما القصة؟

إعداد – روسيانا
ماذا لو أخبرناك أن هناك مدينة روسية تحتفل ببداية سنة جديدة خارج الموعد الذي يعرفه العالم؟
في مدينة أرخانغيلسك الواقعة شمال روسيا، تحافظ فعالية محلية على تقليد قديم يعرف باسم «رأس السنة البومورية»، أو «Поморское новолетие»، وهو احتفال يستعيد جزءاً من التراث الشعبي لسكان السواحل الشمالية الروسية، المعروفين باسم البومور.
رأس السنة في سبتمبر!
قبل اعتماد الأول من يناير موعداً لبداية السنة في روسيا، كان الأول من سبتمبر مرتبطاً ببداية السنة في تقاليد قديمة.
واليوم، تعيد أرخانغيلسك إحياء هذا الإرث من خلال احتفال شعبي يحمل اسم «رأس السنة البومورية»، لتذكير الأجيال الجديدة بتاريخ المنطقة وعادات سكانها.
وبذلك لا يتعلق الأمر برأس سنة ثانية بالمعنى الرسمي، ولا يعني أن التقويم الروسي تغيّر، بل هو احتفال تراثي يعيد تقديم عادة قديمة في إطار ثقافي معاصر.
من هم البومور؟
البومور هم سكان المناطق الساحلية الشمالية من روسيا، وارتبط تاريخهم بشكل وثيق بالبحر والصيد والملاحة والتجارة.
وعلى مدى قرون، طورت هذه المجتمعات تقاليدها الخاصة التي انعكست في الطعام والملابس والأغاني والحكايات والاحتفالات.
ولهذا فإن «رأس السنة البومورية» لا يُنظر إليه باعتباره مناسبة احتفالية فقط، بل وسيلة للحفاظ على جزء من هوية شمال روسيا.
طقوس مستوحاة من حياة البحر
ما يجعل الاحتفال مختلفاً هو ارتباط بعض فعالياته بحياة البومور القديمة.
ومن الطقوس التي يعاد إحياؤها خلال المناسبة «وداع الزويك»، وهو تقليد رمزي مرتبط بالفتى الذي يستعد للخروج للمرة الأولى إلى العمل في البحر أو مجال الصيد.
ويحضر المشاركون في أجواء الاحتفال عناصر مستوحاة من الحياة البحرية لسكان الشمال، مع أغانٍ شعبية وأطباق تقليدية ومائدة جماعية تجمع المشاركين.
هدايا للنهر.. ونار فوق الماء
من أكثر المشاهد غرابة في الاحتفال طقس رمزي يتم خلاله إرسال الهدايا إلى نهر دفينا الشمالي، في استعادة لتقاليد مرتبطة بعلاقة سكان المنطقة بالماء والنهر والبحر.
وتصل المناسبة إلى ذروتها مع إشعال منارة نارية فوق طوف في وسط النهر، في مشهد يجمع بين التراث والطبيعة الشمالية ويمنح الاحتفال طابعاً بصرياً مميزاً.
هذه الطقوس لا تعني العودة الحرفية إلى حياة الماضي، بل تمثل محاولة حديثة لإعادة تقديم الرموز والعادات التي ارتبطت بتاريخ المنطقة.
لماذا ما زالت هذه العادة موجودة؟
تعود فعالية «رأس السنة البومورية» في أرخانغيلسك إلى عام 2001، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مناسبة لإحياء تراث سكان شمال روسيا والتعريف بثقافة البومور.
وتكتسب مثل هذه الاحتفالات أهمية خاصة في المدن الروسية البعيدة عن المراكز الكبرى، لأنها تمنح السكان فرصة للحفاظ على خصوصية منطقتهم وتقديم تاريخها للأجيال الجديدة والزوار.
ليست رأس سنة جديدة فعلياً
رغم العنوان الغريب، من المهم التوضيح أن روسيا لا تعتمد رسمياً رأس سنة ثانية في سبتمبر.
فالاحتفال في أرخانغيلسك مناسبة ثقافية وتراثية، تستعيد تقليداً تاريخياً كان مرتبطاً ببداية السنة في الأول من سبتمبر.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: ما يبدو للزائر كأنه «رأس سنة ثانية»، هو في الحقيقة نافذة على تاريخ مجتمع عاش لقرون في أقصى شمال روسيا، وبنى ثقافته حول البحر والنهر والصيد.
لا تظهر في التقويم
ربما لا يعرف كثيرون خارج شمال روسيا شيئاً عن البومور أو تقاليدهم البحرية، لكن احتفالاً مثل «رأس السنة البومورية» يكشف جانباً مختلفاً من الثقافة الروسية.
فروسيا ليست تقاليد موحدة من موسكو إلى أقصى الشرق؛ فكل منطقة تحمل معها عادات وحكايات وطقوساً تشكلت وفق طبيعتها وتاريخ سكانها.
وفي أرخانغيلسك، يكفي أن تنتظر حتى سبتمبر لتكتشف أن بداية السنة يمكن أن تكون أيضاً مناسبة لاستعادة ذاكرة مدينة كاملة.




