روسيا الخفيةهيدلاينز

قبل واتساب بقرون.. هكذا كان الروس يتبادلون الرسائل

إعداد – روسيانا 

قبل الهواتف وتطبيقات المراسلة ووسائل التواصل الاجتماعي بقرون، كان سكان مدينة نوفغورود الروسية يبحثون عن طريقة سريعة وعملية لإرسال أخبارهم وطلباتهم. لم تكن الورقة متاحة دائماً، لذلك لجأوا إلى مادة موجودة في بيئتهم بكثرة: لحاء شجر البتولا.

ومع مرور مئات السنين، تحولت هذه القطع الصغيرة إلى واحدة من أهم المصادر التي تكشف تفاصيل الحياة اليومية في روسيا القديمة، بعدما نجت من الزمن وحفظت كلمات أشخاص عاشوا قبل نحو ألف عام.

رسائل من قلب الحياة اليومية
اكتُشفت في نوفغورود مئات الرسائل المكتوبة على لحاء البتولا، ويعود أقدمها إلى القرن الحادي عشر، فيما استمر استخدام هذه الطريقة في الكتابة لعدة قرون.

والمثير أن معظم هذه الرسائل لم تكن نصوصاً رسمية أو وثائق تخص الحكام والطبقات الثرية، بل رسائل كتبها أشخاص عاديون للتواصل في شؤون حياتهم اليومية.

تحدثت الرسائل عن المال والديون والتجارة والعمل، كما تناولت قضايا عائلية وخلافات بين الأشخاص وطلبات متعلقة بالحياة الخاصة. وهذا ما منح المؤرخين فرصة نادرة للتعرف إلى المجتمع الروسي القديم من الداخل، بعيداً عن الروايات الرسمية.

الروس قبل ألف عام.. ماذا كان يشغلهم؟
عند قراءة بعض الرسائل، تظهر مفارقة لافتة؛ فالمشكلات التي كانت تشغل أصحابها قبل قرون تبدو مألوفة حتى اليوم.

شخص يطلب من آخر إرسال المال، وآخر يسأل عن قريب، وشخص يوجه تعليمات مرتبطة بعمل أو تجارة. وهناك رسائل تحمل عتاباً أو طلباً أو شكوى، وكأنها رسائل قصيرة كان يمكن أن تُرسل اليوم عبر الهاتف.

هذه التفاصيل الصغيرة تساعد الباحثين على فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية، وطريقة إدارة التجارة، وانتشار الكتابة بين فئات مختلفة من المجتمع.

لماذا بقي لحاء البتولا كل هذه المدة؟
ساعدت طبيعة التربة في منطقة نوفغورود، الغنية بالرطوبة وقليلة الأكسجين في بعض الطبقات، على حفظ لحاء البتولا والمواد العضوية لفترات طويلة.

وعندما بدأ علماء الآثار التنقيب في المدينة، ظهرت هذه الرسائل من بين طبقات الأرض، لتقدم معلومات لا يمكن الحصول عليها بسهولة من الكتب والوثائق الرسمية.

ولم تكن أهمية الاكتشاف في عدد الرسائل فقط، بل في قدرتها على إظهار اللغة التي استخدمها الناس في حياتهم اليومية، وأسماء الأشخاص والأماكن، وطبيعة العلاقات بينهم.

التاريخ مكتوب بكلمات الناس
تكشف رسائل نوفغورود أن التاريخ لا يُكتب دائماً في القصور أو ساحات المعارك. أحياناً يمكن لقطعة صغيرة من لحاء شجرة أن تخبرنا عن حياة شخص عادي عاش قبل مئات السنين.

وربما هذا هو الجانب الأكثر إثارة في هذه الرسائل؛ فهي لا تتحدث فقط عن روسيا القديمة، بل تجعل القارئ يشعر أن الفاصل بينه وبين أولئك الأشخاص ليس كبيراً كما يبدو.

فقد تغيرت الوسيلة من قطعة لحاء إلى شاشة هاتف، لكن الحاجة إلى السؤال والشكوى والاطمئنان وطلب المساعدة والتواصل مع الآخرين بقيت كما هي.

رسالة لم تنتهِ قصتها
بعد نحو تسعة قرون، لا تزال رسائل نوفغورود تمنح الباحثين معلومات جديدة عن المجتمع الروسي القديم، وتفتح نافذة نادرة على تفاصيل الحياة التي غالباً لا تظهر في كتب التاريخ.

وربما لو كان أحد أولئك الروس القدماء يملك هاتفاً اليوم، لما اختلفت رسالته كثيراً عن رسائلنا؛ فالتكنولوجيا تغيرت، لكن الإنسان بقي يحمل الأسئلة والاهتمامات نفسها تقريباً.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى