خيمة.. تتحول إلى مدينة روسية!

إعداد – روسيانا
في جنوب جمهورية ساخا «ياقوتيا»، وسط الغابات والجبال وفي منطقة تعرف بشتائها القاسي، تظهر مدينة نيريونغري كواحدة من أكثر المدن إثارة للاهتمام في أقصى شرق روسيا.
وراء مبانيها وشوارعها الحديثة قصة مختلفة، فالمدينة التي يعيش فيها اليوم عشرات الآلاف من السكان بدأت في خمسينيات القرن الماضي بمجموعة صغيرة من الجيولوجيين الذين وصلوا إلى المنطقة بحثاً عن الفحم، ولم يكن هناك في البداية سوى الخيام والمساكن المؤقتة.
من خيام الجيولوجيين
بدأت قصة نيريونغري عام 1952، عندما أنشئت بعثة جيولوجية في المنطقة وظهرت أولى الخيام عند مصب نهر نيريونغري.
ومع اكتشاف موارد الفحم وبدء استغلالها، توسعت المستوطنة تدريجياً. وفي عام 1972 تحولت إلى بلدة للعمال، ثم حصلت في 6 نوفمبر 1975 على صفة مدينة.
وخلال فترة قصيرة نسبياً، تحولت المنطقة التي كانت تضم مساكن مؤقتة إلى مدينة كاملة تضم أحياء سكنية ومرافق اجتماعية وثقافية، لتصبح نيريونغري لاحقاً ثاني أكبر مدينة في ياقوتيا.
مدينة فوق التلال
من الأشياء التي تمنح نيريونغري مظهراً مختلفاً طبيعتها الجغرافية، فالمدينة تقع في منطقة جبلية، وتنتشر أحياؤها على السفوح والقمم المستوية لبعض التلال، بينما تحيط بها تايغا جنوب ياقوتيا وامتدادات سلسلة ستانوفوي الجبلية.
وهذا جعل تخطيط المدينة تحدياً هندسياً، إذ لم تكن الأرض المستوية متوفرة في كل مكان، لذلك جاءت أجزاء من المدينة موزعة بين المرتفعات والمنخفضات والوديان.
الشتاء جزءاً من الحياة
المناخ هنا ليس سهلاً على الإطلاق، يتميز جنوب ياقوتيا بمناخ قاري شديد، حيث يبلغ متوسط درجة الحرارة في يناير في منطقة نيريونغري نحو 32 درجة مئوية تحت الصفر، بينما يبلغ متوسط يوليو نحو 13 درجة مئوية.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح التدفئة والنقل والبنية التحتية جزءاً أساسياً من حياة السكان، وهو ما جعل تطوير المدينة في هذه المنطقة النائية تحدياً كبيراً منذ بداياتها.
حكاية الاسم
حتى اسم المدينة مرتبط بالطبيعة المحلية، ويعود اسم «نيريونغري» إلى لغة الإيفينكيين، ويُفسر بمعنى مرتبط بنهر أسماك الهريوس، أو «نهر الهريوس». ويرتبط الاسم بنهر نيريونغري الذي يمر في المنطقة ويلتقي بنهر تشولمان.
وهذا يكشف جانباً آخر من هوية المنطقة، التي سبقت ظهور المدينة الحديثة بوقت طويل، وعاشت فيها شعوب محلية اعتمدت على الطبيعة والأنهار والغابات في حياتها.
مدينة الفحم
كان الفحم السبب الرئيسي في ولادة نيريونغري الحديثة، ولا يزال قطاع التعدين جزءاً أساسياً من اقتصاد المنطقة.
وتضم منطقة نيريونغري واحداً من أكبر موارد الفحم في روسيا، كما توجد فيها منشآت تعدين كبيرة، إلى جانب محطة نيريونغري لتوليد الطاقة التي تعد من المراكز المهمة لإنتاج الكهرباء في ياقوتيا.
لكن اختزال المدينة في الفحم وحده لا يعطي صورة كاملة عنها، فهي تحولت خلال نصف قرن إلى مركز حضري وثقافي في جنوب ياقوتيا.
الطبيعة التي تحيط بالمدينة
خارج الأحياء السكنية تبدأ مساحة مختلفة تماماً، غابات الصنوبر واللاركس، الجبال والأنهار والبحيرات.
وتشير مصادر المنطقة إلى تنوع كبير في الحياة البرية في جنوب ياقوتيا، مع مئات الأنواع من الحيوانات والطيور وأكثر من ألف نوع من النباتات في المنطقة المحيطة بنيريونغري.
ومن أبرز الأماكن الطبيعية في منطقة نيريونغري «بحيرة توكو الكبرى»، إضافة إلى مناطق جبلية ومائية واسعة تجعل المدينة نقطة مثيرة للاهتمام لمن يريد اكتشاف الجانب الأقل شهرة من ياقوتيا.
مدينة التناقض
ربما تكمن خصوصية نيريونغري في التناقض بين صورتين، مدينة حديثة نشأت خلال عقود قليلة، وطبيعة شاسعة وقاسية تحيط بها من كل الاتجاهات.
فمن خيام جيولوجيين في خمسينيات القرن الماضي إلى مدينة يقطنها عشرات الآلاف، تحولت نيريونغري إلى نموذج لمدن روسيا التي نشأت في مناطق نائية بسبب اكتشاف الموارد، ثم بنت لنفسها حياة كاملة وسط ظروف طبيعية لا ترحم.
ولهذا تبقى نيريونغري واحدة من النوافذ الخفية على روسيا، مدينة لا يعرفها كثيرون خارج البلاد، لكنها تكشف كيف استطاع الإنسان بناء حياة حضرية في قلب واحدة من أكثر البيئات قسوة واتساعاً في روسيا.




