سر غريب وراء نوافذ روسيا الخشبية

إعداد – روسيانا
في أعماق جمهورية موردوفيا الروسية، وتحديداً في قرية كوتشكايفو، يوجد متحف مختلف عن المتاحف التقليدية، لا يعتمد على قاعات مغلقة أو واجهات زجاجية، بل يعرض في الهواء الطلق واحدة من أكثر تفاصيل العمارة الريفية الروسية لفتاً للانتباه: الإطارات الخشبية المنحوتة التي كانت تحيط بنوافذ المنازل القديمة.
دانتيل الخشب
يضم المتحف حالياً 45 إطاراً خشبياً من مناطق مختلفة في موردوفيا ومناطق مجاورة، وكل قطعة تحمل طابعاً خاصاً بها من حيث الشكل والزخارف وتقنيات النحت. ومن المقرر إضافة 32 قطعة أخرى إلى المجموعة قريباً.
ولكل قطعة تقريباً حكاية خاصة؛ إذ يحاول القائمون على المتحف توثيق مصدر الإطار، واسم صاحب المنزل الذي كان يزين نافذته، واسم الحرفي الذي صنعه عندما يكون معروفاً.
وبذلك لا تتحول القطع الخشبية إلى مجرد نماذج للزينة، بل إلى وثائق صغيرة تحفظ تفاصيل من حياة القرى الروسية وتقاليدها المحلية.
حكاية الحرفي الغامض
اختيار كوتشكايفو لم يكن مصادفة، فالمكان مرتبط بحكاية شعبية عن حرفي محلي يدعى فاسيلي، اشتهر بمهارته في نحت الخشب وتزيين المنازل في المنطقة.
وبحسب الرواية المتداولة محلياً، كان فاسيلي حرفياً عصامياً أتقن فن النحت إلى درجة لم يتمكن أحد من منافسته فيها، وكان يحتفظ بأسرار صنعته لنفسه. لكن نهاية قصته كانت مأساوية، إذ أُحرق منزله، وقضى الحريق على أعماله وعلى الحرفي نفسه.
ولهذا ارتبط المتحف بذاكرة ذلك الحرفي، وأصبح موقعه بمثابة تكريم له وللحرفيين الذين تركوا خلفهم نماذج من فن النحت الخشبي.
عيون المنازل
قد تبدو الزخارف المحيطة بالنوافذ للزائر مجرد تفاصيل جمالية، لكنها كانت تحمل وظائف ورموزاً أعمق في الثقافة الشعبية الروسية.
فالنوافذ كانت تُعد «عيون المنزل»، ولذلك ارتبطت الزخارف المحيطة بها في المعتقدات الشعبية بالحماية من الشر، بينما كان شكل الإطار وغنى زخارفه يعكسان أحياناً ذوق أصحاب المنزل ومكانتهم وقدرتهم المادية.
وتختلف الزخارف من منطقة إلى أخرى، فمنها ما يأتي بأشكال نباتية، ومنها ما يحمل أشكالاً هندسية أو رموزاً شمسية، ما يجعل كل إطار أشبه بصفحة صغيرة من تاريخ المكان الذي جاء منه.
كنز مهدد بالاختفاء
تكمن أهمية متحف كوتشكايفو في أنه يحاول إنقاذ هذه التفاصيل قبل أن تختفي. فمع انتشار النوافذ الحديثة وتراجع البيوت الخشبية القديمة، يجري التخلص من كثير من الإطارات المنحوتة أثناء هدم المنازل أو إعادة ترميمها.
ولهذا يجمع القائمون على المتحف القطع القديمة من مناطق مختلفة، ويحاولون الاحتفاظ بمعلوماتها حتى لا تفقد ارتباطها بأصحابها وحرفييها وأماكنها الأصلية.
واليوم أصبحت المساحة المفتوحة في كوتشكايفو نقطة جذب للزوار، ولا سيما الأطفال والشباب، كما يجري العمل على إدراجها ضمن المسارات السياحية في منطقة بولشي إغناتوفو.
وهكذا، في قرية روسية صغيرة بعيدة عن المدن الكبرى، تحولت إطارات النوافذ القديمة إلى متحف مفتوح، وأصبحت قطع الخشب المنحوتة وسيلة لحفظ ذاكرة بيوت وحرفيين وقرى كان يمكن أن تختفي قصصهم مع مرور الزمن.




