أجراس روسيا تخفي حكاية رجل لا يعرفه كثيرون

إعداد – روسيانا
في زمن لم تكن فيه الهواتف ولا مكبرات الصوت ولا وسائل الإنذار الحديثة، كان لسكان المدن الروسية وسيلة واحدة قادرة على إيصال الخبر إلى مسافات بعيدة: صوت الجرس.
ولم يكن قرع الأجراس مرتبطاً بالصلوات والطقوس الدينية فقط، بل كان جزءاً من الحياة اليومية في المدن الروسية القديمة، إذ استُخدم للإعلان عن المناسبات، والتنبيه إلى الحرائق والأخطار، وفي بعض المدن لدعوة السكان إلى التجمعات العامة.
ومن خلف هذا الصوت كان يقف رجل يعرف متى يقرع الجرس وكيف يختار صوته وإيقاعه، وهو الجرساني، إحدى المهن التي ارتبطت طويلاً بأبراج الكنائس والأجراس في روسيا.
حين كان الجرس وسيلة اتصال
كان الجرس في روسيا القديمة أشبه بوسيلة اتصال جماهيرية تصل رسالتها إلى عدد كبير من السكان في وقت واحد.
وفي مدن مثل نوفغورود، ارتبطت الأجراس أيضاً بالحياة العامة؛ فكانت هناك أجراس تُستخدم لاستدعاء السكان إلى اجتماعات المدينة، كما أمكن استخدام صوتها للتحذير من اقتراب العدو أو اندلاع حريق أو وقوع خطر.
ولهذا لم يكن الجرس مجرد قطعة معدنية معلقة فوق برج، بل وسيلة لها وظيفة عملية داخل المجتمع.
من كان يقف خلف هذا الصوت؟
كان الجرساني مسؤولاً عن قرع الأجراس وفق توقيتات وأنماط محددة، وكانت المهنة في فترات مختلفة مرتبطة أيضاً بوظائف أخرى داخل الكنيسة، مثل خدمة الكنيسة والحراسة.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن الجرساني في روسيا كان يجمع أحياناً بين مهمته وبين وظيفة حارس الكنيسة، فيما بقيت تفاصيل حياة كثير من الجرسانيين في العصور القديمة محدودة بسبب قلة الوثائق التي وصلت من تلك الفترات.
ومع مرور الوقت، أصبحت مهارة قرع الأجراس فناً له قواعده وتقاليده الخاصة، وليس مجرد ضرب عشوائي على أجراس معلقة في برج.
لكل صوت رسالة
لم تكن كل الأجراس تُقرع بالطريقة نفسها.
فقد تطور في روسيا نظام معقد لأنواع مختلفة من الرنين، بينها «البشارة» التي تعلن بدء الصلاة، و«الرنين الاحتفالي» الذي يستخدم في المناسبات الكبرى، وأنماط أخرى ارتبطت بالمواسم والطقوس المختلفة.
وهكذا كان على الجرساني أن يعرف أي جرس يستخدم، وعدد الضربات، وتسلسلها، ومدة الرنين، بحسب المناسبة.
ومع تطور فن الأجراس الروسي، أصبحت بعض المدن والأديرة معروفة بجمال رنين أجراسها، ومن بينها أجراس كرملين روستوف وأديرة ومراكز دينية أخرى.
أجراس لا تسمعها المدينة فقط
كان حجم بعض الأجراس الروسية يسمح لصوتها بالوصول إلى مسافات بعيدة، وهو ما جعلها مناسبة أيضاً للتنبيه والإبلاغ.
ولهذا اكتسبت الأجراس أهمية خاصة في المدن والمناطق الحدودية، إذ استُخدمت أجراس إنذار مخصصة للإبلاغ عن الأخطار. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن هذه الوظيفة ظلت قائمة لقرون، قبل أن تتطور وسائل الاتصال والإنذار الحديثة.
مهنة اختفت تفاصيلها وبقي صوتها
ومع ظهور وسائل الاتصال الحديثة، لم يعد سكان المدن بحاجة إلى انتظار صوت جرس ليعرفوا ما يحدث حولهم، لكن مهنة الجرساني لم تختفِ من الثقافة الروسية.
وتكشف الوثائق اللاحقة مدى تنظيم هذه المهنة؛ ففي موسكو، على سبيل المثال، ضمت أجراس برج إيفان الكبير في الكرملين عدداً من الجرسانيين الذين عاش بعضهم في حي خاص عُرف باسم «زفوناري».
وفي القرن التاسع عشر، كانت هناك تعليمات رسمية تحدد عمل الجرسانيين في كاتدرائية الصعود بالكرملين، وكان بدء الرنين مرتبطاً بإشارة محددة من حارس الكاتدرائية.
حين كان صوت واحد يجمع مدينة كاملة
تكشف قصة الجرساني جانباً غير مألوف من الحياة في روسيا القديمة؛ فقبل أن يصبح الخبر رسالة تصل إلى الهاتف خلال ثوانٍ، كان يمكن لصوت واحد صادر من برج مرتفع أن يصل إلى أحياء المدينة ويدعو الناس إلى الصلاة أو الاجتماع أو يحذرهم من خطر.
وهكذا لم يكن الجرس مجرد جزء من المشهد المعماري للمدن الروسية، بل كان صوتاً من أصوات الحياة نفسها، وكان الرجل الذي يعرف أسراره واحداً من الأشخاص الذين يملكون مفتاح هذا الصوت.




