من قصر روسي إلى المجهول.. حكاية الغرفة الكهرمانية

إعداد – روسيانا
لم تكن الغرفة الكهرمانية مجرد قاعة داخل قصر إمبراطوري، بل تحفة فنية غطّت جدرانها ألواح من الكهرمان المنحوت والمرايا والزخارف المذهّبة، حتى اكتسبت شهرة واسعة بوصفها واحدة من أروع روائع الفن الزخرفي الأوروبي. لكن هذه التحفة التي انتقلت من بروسيا إلى روسيا، واستقرت لعقود داخل أحد القصور القيصرية، اختفت خلال الحرب العالمية الثانية، لتبدأ واحدة من أكثر عمليات البحث إثارة في تاريخ الكنوز الفنية المفقودة.
ومنذ اختفاء ألواحها الأصلية، بقي السؤال مفتوحاً: هل دُفنت في أنقاض قلعة، أم نُقلت إلى مخبأ سري، أم تفرقت أجزاؤها خلال الفوضى التي رافقت نهاية الحرب؟
هدية ملكية صنعت تاريخاً من الكهرمان
بدأت قصة الغرفة في بروسيا مطلع القرن الثامن عشر، عندما أُعدّت بأمر من الملك فريدرش الأول لتزيين أحد القصور الملكية. واستغرق إنجاز عناصرها سنوات من العمل، شارك فيه حرفيون متخصصون في تشكيل الكهرمان وصنع الألواح والزخارف الدقيقة.
وفي عام 1716، قدّم الملك البروسي فريدرش فيلهلم الأول ألواح الغرفة إلى القيصر الروسي بطرس الأكبر، في إطار العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. وصلت القطع إلى روسيا، لكنها لم تستقر في موقعها الأشهر إلا في عهد الإمبراطورة إليزابيث، التي أمرت بنقلها إلى قصر كاترين في تسارسكوي سيلو، بالقرب من سانت بطرسبورغ، خلال خمسينيات القرن الثامن عشر.
وهناك، أُعيد تصميم الغرفة وتوسيع زخارفها لتتناسب مع مساحة القصر، بمشاركة مهندسين وحرفيين أضافوا عناصر جديدة من الكهرمان والمرايا والخشب المذهّب. وبمرور الوقت، أصبحت إحدى أبرز قاعات القصر وأكثرها تميزاً.
لماذا عُدّت تحفة استثنائية؟
استمدت الغرفة قيمتها من الجمع بين الكهرمان الطبيعي والحرفية الدقيقة والتصميم المعماري المتكامل. فقد تداخلت درجات اللون الأصفر والذهبي والعسلي في ألواح زخرفية، ووزّعت المرايا بين الأعمدة المزخرفة، فيما أضفت التفاصيل المذهّبة على المكان مظهراً فاخراً.
ولم تكن أهميتها مرتبطة بقيمة المادة وحدها، بل بصعوبة تشكيل الكهرمان وتركيبه في مساحات واسعة من دون فقدان الانسجام بين القطع. ولهذا ارتبط اسمها بلقب «العجيبة الثامنة في العالم» في أوصاف كثيرة تناولت روائع الفن الملكي.
وبقيت الغرفة في قصر كاترين حتى اجتاحت القوات الألمانية المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية، لتدخل التحفة مرحلة مختلفة تماماً من تاريخها.
كيف وصلت الغرفة إلى أيدي القوات الألمانية؟
في عام 1941، سيطرت القوات الألمانية على مدينة بوشكين، حيث يقع قصر كاترين. وحاول القائمون على القصر حماية بعض محتويات الغرفة، لكن ألواح الكهرمان الأصلية فُككت ونُقلت إلى مدينة كونيغسبرغ، التي كانت آنذاك جزءاً من ألمانيا، وعُرضت في قلعتها.
وبذلك، انتُزعت الغرفة من موقعها التاريخي، وانتقلت إلى مكان جديد وسط حرب كانت تهدد المدن والمتاحف والمجموعات الفنية في أنحاء أوروبا.
لكن وجود الألواح في كونيغسبرغ لم يستمر طويلاً. فمع اقتراب نهاية الحرب، تعرضت المدينة للقصف والدمار، وأصبحت القلعة نفسها جزءاً من مشهد الخراب الذي خلّفته المعارك.
اختفاء مفاجئ.. أين ذهبت الألواح الأصلية؟
تعود أكثر فصول القصة غموضاً إلى المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. فقد انقطعت آثار ألواح الغرفة الكهرمانية بعد وجودها في كونيغسبرغ، ولم يُعثر على مجموعة كاملة منها بعد الحرب.
ومنذ ذلك الوقت، ظهرت فرضيات متعددة بشأن مصيرها. رجّح بعض المهتمين بالقضية أنها نُقلت إلى مخابئ أو مستودعات قبل سقوط المدينة، فيما ربطت روايات أخرى اختفاءها بدمار القلعة والمباني المحيطة بها.
كما أثارت احتمالات نقل القطع إلى مواقع أخرى في أوروبا اهتمام الباحثين وهواة البحث عن الكنوز. غير أن تعدد الروايات لم يؤدِّ إلى إثبات مكان وجود المجموعة الأصلية بصورة حاسمة.
ولا تزال هذه الفجوة بين الوقائع المعروفة والاحتمالات المتداولة أحد أسباب استمرار الاهتمام بالقضية؛ فالمؤكد أن الألواح نُقلت خلال الحرب، لكن مصير المجموعة الكاملة لم يُحسم.
عمليات بحث لم تنهِ اللغز
بعد انتهاء الحرب، بدأت عمليات بحث عن محتويات الغرفة المفقودة، وشملت مواقع مرتبطة بقلعة كونيغسبرغ وغيرها من الأماكن التي ظهرت في الروايات المتداولة. وعُثر على بعض القطع الفنية المرتبطة بقصر كاترين، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى استعادة ألواح الغرفة الكهرمانية الأصلية.
ومع مرور العقود، استمرت الفرضيات بشأن احتمال وجود أجزاء منها في مخابئ لم تُكتشف، أو أنها تضررت أو فُقدت خلال عمليات النقل والدمار. لكن أياً من هذه الاحتمالات لا يكفي وحده لتحديد مصيرها.
وهنا تكمن المفارقة: تحفة ملكية كانت معروفة بتفاصيلها الدقيقة وصورها ووصفها التاريخي، تحولت إلى لغز لأن القطع التي صنعت شهرتها لم تعد موجودة في مكان معروف يمكن التحقق منه.
عودة الغرفة إلى قصر كاترين
رغم اختفاء الأصل، لم تنتهِ قصة الغرفة الكهرمانية. ففي عام 1979، بدأت السلطات السوفياتية مشروعاً لإعادة إنشائها اعتماداً على الصور التاريخية والوثائق والمواد المتاحة، في مهمة تطلبت سنوات طويلة من البحث والترميم وإعادة إنتاج التفاصيل الفنية.
واجه الحرفيون تحديات كبيرة في مطابقة الألوان والنقوش والأبعاد، وفي إعادة بناء الزخارف التي لم يبقَ منها سوى توثيق محدود. واستمر العمل حتى عام 2003، عندما افتُتحت الغرفة المعاد إنشاؤها داخل قصر كاترين.
واستعادت القاعة بذلك حضورها بوصفها أحد أبرز معالم القصر، وأصبح بإمكان الزوار مشاهدة نسخة أعادت إحياء التصميم التاريخي، وإن لم تكن هي الألواح الأصلية التي اختفت خلال الحرب.
تحفة عادت.. لكن اللغز بقي
اليوم، يستطيع زوار قصر كاترين مشاهدة الغرفة الكهرمانية في صورتها المعاد إنشاؤها، والتعرف إلى تفاصيلها التي جعلتها تحفة فنية استثنائية. لكن الغرفة الأصلية ما زالت تطرح سؤالاً لم يجد جواباً نهائياً: هل بقيت أجزاؤها مخفية في مكان لم يُكتشف بعد، أم أن الحرب أنهت وجودها إلى الأبد؟
وبين الوقائع التاريخية والفرضيات التي تناقلتها الأجيال، بقيت الغرفة الكهرمانية أكثر من قصة كنز مفقود؛ إنها حكاية عن هشاشة التراث أمام الحروب، وعن قدرة الفن على العودة حتى عندما تضيع القطع التي صنعته.




