
إعداد – روسيانا
مع اقتراب الشتاء، تستعيد بعض التقاليد الشعبية الروسية حكاياتها الغريبة، ومنها جولات كان يقوم بها شبان وأطفال في القرى، متنكرين بأزياء وأقنعة تشبه الحيوانات أو شخصيات مخيفة، وهم ينتقلون من منزل إلى آخر مردّدين أغاني وعبارات تتمنى لأصحاب البيوت الخير والوفرة في العام الجديد.
تُعرف هذه العادة باسم «كوليادا» (Kolyada)، وترتبط بفترة الأعياد الشتوية في الثقافة الشعبية الروسية. ولم تكن مجرد جولة للغناء، بل طقساً اجتماعياً يجمع التنكر والموسيقى وتبادل الهدايا، ويحمل في تفاصيله مزيجاً من الموروث الشعبي والتقاليد المسيحية التي امتزجت بها عبر الزمن.
أقنعة الدببة والماعز.. قرية تتحول إلى مسرح
كان المشاركون يرتدون ملابس غير مألوفة، ويضعون أقنعة أو يغطون وجوههم بالسخام، ويتقمصون شخصيات متنوعة، من الدببة والماعز والذئاب إلى العجائز والشخصيات الخرافية. وفي بعض المناطق، ارتدى المتنكرون ملابس مقلوبة أو أضافوا إليها الفراء والقرون لإضفاء مظهر غريب أو مضحك.
لم يكن الهدف إخافة السكان بالمعنى الحرفي، بل تقديم عروض شعبية تجمع الحركة والغناء والمزاح، وتحوّل شوارع القرية ومداخل البيوت إلى مساحة للاحتفال خلال أيام الشتاء الباردة.
أغنيات تتمنى الخير.. ومكافآت من أصحاب المنازل
كان المتنكرون يقفون عند أبواب البيوت، وينشدون أغنيات تتضمن تمنيات بالصحة والرخاء ووفرة المحاصيل، قبل أن يحصلوا على مكافآت من أصحاب المنازل. وشملت هذه الهدايا الفطائر والحلوى والعسل وخبز الزنجبيل، وأحياناً قطعاً نقدية.
وفي بعض التقاليد، صُنعت المخبوزات على هيئة حيوانات تتناسب مع الأزياء التي يرتديها المشاركون. وهكذا ارتبطت الجولة بالغناء والطعام والضيافة، في تبادل رمزي بين الزائرين وأصحاب المنازل.
لماذا ارتبطت الأقنعة بالشتاء؟
تعود جذور بعض عناصر هذه العادة إلى الموروث الشعبي السلافي القديم، الذي ربط الاحتفالات الشتوية بتجدد الحياة والأمل في موسم زراعي وفير. ومع انتشار المسيحية، امتزجت أجزاء من هذه الممارسات بالتقاليد المرتبطة بعيد الميلاد وفترة الأعياد الشتوية.
لكن تفاصيل الطقس لم تكن واحدة في جميع المناطق؛ فقد اختلفت الشخصيات والأغنيات وطرق التنكر من قرية إلى أخرى، كما اختلفت تفسيرات الرموز المستخدمة. لذلك لا يمكن اختزال «كوليادا» في أصل واحد أو معنى ثابت.
من أبواب القرى إلى عروض التراث
لم تعد هذه الجولات جزءاً من الحياة اليومية في جميع المناطق الروسية، لكنها لا تزال حاضرة في بعض الاحتفالات الشعبية والعروض التراثية. وتُقدَّم أحياناً ضمن برامج شتوية تعيد إحياء الأزياء والأغنيات والشخصيات التقليدية، لتمنح الزوار فرصة للتعرف إلى جانب مختلف من الحياة الشعبية الروسية.
وهكذا تكشف أقنعة الشتاء عن تقليد يتجاوز المظهر الغريب؛ فهو حكاية عن الضيافة الجماعية، والأمنيات ببداية موفقة للعام، وكيف احتفظت بعض القرى بطقوس قديمة عبر أجيال متعاقبة.




