روسيا الخفيةهيدلاينز

أبنية تزن 23 ألف طن تم نقلها دون هدمها.. القصة الكاملة لأغرب مشروع هندسي في موسكو

إعداد – روسيانا

في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تكن موسكو تواجه مشكلة في بناء مدينة جديدة، بل في كيفية تحديث المدينة القديمة دون محو تاريخها. فقد نص المخطط العام لإعادة إعمار موسكو عام 1935 على توسيع الشوارع الرئيسية، وعلى رأسها شارع غوركي، المعروف اليوم باسم تفيرسكايا، ليصبح الشريان الرئيسي للعاصمة السوفييتية. لكن عشرات المباني التاريخية كانت تقف في مسار التوسعة، وكان هدمها سيعني خسارة معمارية كبيرة. عندها اتخذ المهندسون قرارًا بدا مستحيلًا في ذلك الوقت: تحريك الأبنية كاملة بدل هدمها. (РБК Недвижимость)

شاهد: كيف غيّرت موسكو مسار شوارعها دون هدم مبانيها؟

لم تكن هذه مجرد تجربة هندسية، بل برنامج متكامل استمر سنوات، أشرف عليه المهندس السوفييتي إيمانويل غيندل، الذي أسس لاحقًا “ترست نقل وتفكيك المباني”، وهي المؤسسة التي تولت تنفيذ معظم عمليات نقل المباني في موسكو خلال تلك الفترة. واعتمد غيندل على مبدأ مختلف عن الأساليب الأمريكية آنذاك، إذ لم يكن الهدف رفع المبنى بالكامل ثم نقله، بل تحويله إلى كتلة واحدة تنزلق فوق مسارات فولاذية مع أقل قدر ممكن من الإجهاد على هيكله. (Yandex Realty)

كيف كانت تتم العملية؟
كانت العملية تبدأ قبل أشهر من يوم النقل:
أولًا، كان المهندسون يدرسون حالة المبنى بالتفصيل، ويحددون أماكن الجدران الحاملة ونقاط توزيع الأحمال. ثم تُدعَّم الجدران بإطار ضخم من العوارض الفولاذية يلتف حول المبنى ويربط جميع أجزائه، ليصبح الهيكل كتلة واحدة تتحمل الحركة دون أن تتشقق. (РБК Недвижимость)

بعد ذلك تبدأ المرحلة الأصعب. إذ يُحفر أسفل المبنى، وتُفتح فتحات في الأساسات لإدخال عوارض فولاذية ضخمة تمتد تحت كامل البناء. وبعد تثبيت هذه العوارض، تُزال أجزاء من الأساسات القديمة تدريجيًا، بينما يبقى وزن المبنى محمولًا بالكامل على الشبكة المعدنية الجديدة. (Yandex Realty)

شاهد عملية نقل مبنى كامل دون هدمه

ثم يُنشأ مسار الحركة. فأسفل المبنى توضع طبقات من الحصى والعوارض الخشبية، تعلوها قضبان حديدية شبيهة بقضبان السكك الحديدية، وفوقها آلاف البكرات الفولاذية. وعندما يصبح كل شيء جاهزًا، تُوصل ونشات كهربائية ضخمة بالمبنى لتبدأ عملية السحب ببطء شديد، بسرعة لا تتجاوز أمتارًا قليلة في الساعة، مع مراقبة مستمرة لأي ميل أو تشوه في الهيكل. وبعد وصول المبنى إلى موقعه الجديد، يُبنى أساس جديد تحته، ثم يُنزَّل تدريجيًا ويُثبت في مكانه النهائي. (Yandex Realty)
ومن أكثر ما يلفت الانتباه أن شبكات الكهرباء والمياه والهاتف والصرف الصحي لم تكن تُقطع بالكامل، بل كانت تُوصل عبر تمديدات مرنة مؤقتة، ما سمح باستمرار الخدمات داخل بعض المباني أثناء نقلها. (State History)

المبنى الذي أصبح أسطورة
أشهر عملية نقل كانت لمبنى ساففينسكويه بودفوريه في شارع غوركي، وهو مبنى شُيد عام 1907 ويُعد من أبرز نماذج العمارة الروسية الحديثة.
بلغ وزن المبنى نحو 23 ألف طن، وكان في ذلك الوقت أثقل مبنى يُنقل في العالم. واستغرقت التحضيرات قرابة ستة أشهر، واستخدم المهندسون 36 مسارًا حديديًا وأكثر من 2100 بكرة فولاذية لتحريكه. وفي الرابع من مارس/آذار 1939 بدأ المبنى رحلته إلى الخلف داخل الحي لمسافة تقارب خمسين مترًا، بينما بقيت خدماته تعمل طوال العملية.
(Yandex Realty)
وتشير الروايات الروسية إلى أن السكان لم يُبلغوا بالموعد الدقيق للنقل لتجنب الذعر، ولذلك استيقظ كثير منهم صباحًا ليكتشفوا أن المبنى لم يعد في مكانه السابق. ورغم انتشار هذه القصة في الذاكرة الشعبية، فإن بعض المصادر تشير إلى أن التحضيرات كانت طويلة وأن عملية النقل نفسها كانت جزءًا من مشروع هندسي استمر عدة مراحل.
(РИА Новости)

بلدية موسكو… في رحلة استغرقت 41 دقيقة
بعد نجاح عملية ساففينسكويه بودفوريه، واجه المهندسون تحديًا أكثر تعقيدًا:
مبنى موسوفيت، الذي يُعرف اليوم بمبنى بلدية موسكو.

كان عمر المبنى آنذاك أكثر من 150 عامًا، وكانت أعمال الحفر أسفله معقدة بسبب استمرار عمل الدوائر الحكومية داخله. لذلك نُفذت معظم الأعمال تحت الأرض دون تعطيل الموظفين. وبعد انتهاء التحضيرات، تحرك المبنى الذي يزن نحو 20 ألف طن لمسافة 13.5 مترًا خلال 41 دقيقة فقط، في واحدة من أسرع عمليات نقل المباني الثقيلة في التاريخ. (РБК Недвижимость)

مبانٍ أخرى نجت من الهدم
لم تكن هذه العمليات استثناءً. فقد شملت مشاريع النقل أيضًا مبنى سيتين في تفيرسكايا، ومبنى في شارع سيرافيموفيتش، إضافة إلى مستشفى العيون في موسكو وعدد من المباني السكنية والإدارية الأخرى،
ضمن مشروع إعادة تخطيط العاصمة. وتشير المصادر الروسية إلى أن عشرات المباني نُقلت خلال الحقبة السوفييتية،

فيما تذكر بعض المراجع أن العدد الإجمالي في موسكو وصل لاحقًا إلى نحو 80 مبنى عبر مراحل مختلفة حتى ثمانينيات القرن الماضي. (Ruwiki)

إرث هندسي ما زال قائمًا
اليوم، يسير آلاف الأشخاص يوميًا في شارع تفيرسكايا دون أن يدركوا أن بعض المباني المحيطة بهم لم تُبنَ في مواقعها الحالية أصلًا، بل وصلت إليها بعد رحلة بطيئة فوق آلاف البكرات الفولاذية. لقد كان نقل هذه الأبنية أحد أكثر مشاريع الهندسة المدنية جرأة في القرن العشرين، وأثبت أن الحفاظ على التراث لا يعني دائمًا تجميد المباني في أماكنها، بل قد يعني أحيانًا… أن تتحرك المدينة نفسها من حولها.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى