روسي غيّر الرياضيات ومات قبل أن يعرف مجده

إعداد – روسيانا
في تاريخ روسيا شخصيات لم تترك أثراً في بلدها فقط، بل غيّرت طريقة فهم البشر للعالم من حولهم. ومن بين هؤلاء عالِم الرياضيات نيكولاي لوباتشيفسكي، الذي خرج من ظروف عائلية صعبة ليصبح واحداً من أبرز علماء القرن التاسع عشر، ويضع أسس ما عُرف لاحقاً بالهندسة غير الإقليدية.
من طفل فقد والده إلى عالم كبير
وُلد نيكولاي لوباتشيفسكي عام 1792 في روسيا، وتوفي والده عندما كان في السابعة من عمره. انتقلت والدته بأبنائها إلى قازان، حيث تلقى تعليمه ثم التحق بجامعة قازان عام 1807 بمنحة دراسية.
في البداية لم يكن ينوي التخصص في الرياضيات، لكنه سرعان ما انجذب إلى العلوم، ودرس الرياضيات والفيزياء والفلك، قبل أن يبدأ مسيرته الأكاديمية في الجامعة نفسها.
وبحلول عام 1822 أصبح أستاذاً، ثم تولى عام 1827 منصب رئيس جامعة قازان، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى عام 1846. وخلال هذه السنوات لم يكن اهتمامه بالرياضيات منفصلاً عن التعليم، فقد عمل أيضاً على تطوير الجامعة ومكتبتها ومرافقها العلمية.
سؤال حيّر علماء أوروبا
كان هناك سؤال رياضي ظل يثير اهتمام العلماء لقرون: هل يمكن إثبات المسلمة الخامسة لإقليدس باستخدام بقية قواعد الهندسة؟
بدلاً من محاولة إثباتها بالطريقة التقليدية، اتخذ لوباتشيفسكي طريقاً مختلفاً تماماً، فقد افترض إمكانية بناء هندسة لا تنطبق فيها المسلمة الخامسة بالشكل المعتاد.
وفي فبراير 1826 عرض أفكاره الجديدة أمام قسم العلوم الفيزيائية والرياضية في جامعة قازان، ثم نشر عام 1829 أول عمل مطبوع معروف يعرض الهندسة غير الإقليدية.
اكتشاف لم يفهمه عصره
المفارقة أن أفكار لوباتشيفسكي لم تلقَ التقدير الذي تستحقه خلال حياته. فقد بدت هندسته الجديدة غريبة ومخالفة لما اعتاد العلماء عليه، وظل الاعتراف الحقيقي بأهميتها يأتي بعد وفاته.
ومع مرور الوقت، أصبحت الهندسة غير الإقليدية جزءاً مهماً من تاريخ الرياضيات، وأصبح اسم لوباتشيفسكي مرتبطاً بواحدة من أهم التحولات في فهم الهندسة والفضاء.
لم يكن رياضياً فقط
بعيداً عن المعادلات، كان لوباتشيفسكي شخصية مؤثرة في الحياة الأكاديمية الروسية. فقد اهتم بالمكتبة الجامعية، وبالتعليم، وبإدارة الجامعة، كما شغل منصب رئيس الجامعة لسنوات طويلة.
وتشير جامعة قازان الفيدرالية إلى أن فترة رئاسته بين 1827 و1846 شهدت تطوراً كبيراً للجامعة، وأن اسمه ما زال حاضراً فيها حتى اليوم من خلال معهد للرياضيات والميكانيكا، ومكتبة، ومدرسة، ومتحف يحمل اسمه.
إرث لا يزال حياً
لم تختفِ آثار لوباتشيفسكي مع مرور أكثر من قرن ونصف على وفاته. ففي قازان ما زال تمثاله ومتحفه ومؤسساته التعليمية تحمل اسمه، كما تحمل جامعة نيجني نوفغورود الحكومية اسمه أيضاً.
وفي السنوات الأخيرة استمرت الجامعة في الاحتفاء بإرثه العلمي، إذ أقيم معرض خاص بمناسبة مرور 200 عام على اكتشاف الهندسة غير الإقليدية، وعُرضت فيه وثائق أصلية ومخطوطات وأعمال مرتبطة بمسيرته العلمية.
وهكذا بقي اسم لوباتشيفسكي مرتبطاً بفكرة تتجاوز الرياضيات نفسها: أحياناً لا يكون تغيير العالم في العثور على إجابة جديدة، بل في الجرأة على طرح السؤال بطريقة لم يجرؤ الآخرون على طرحها.





