سرّ موسيقي يعود إلى الحياة في روسيا

لم يكن مهرجان “أصوات الورثة” الذي استضافه مجمع VDNH في موسكو مجرد سلسلة من الحفلات الموسيقية، بل رحلة عبر الذاكرة الروسية، أعادت إلى المسرح أغنيات رافقت أجيالاً كاملة وشكلت جزءاً من الهوية الثقافية للبلاد. وعلى مدى أربعة أيام، صدحت في أرجاء المهرجان ألحان تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته، في أول مهرجان يقام على مستوى روسيا مخصص بالكامل للأغنية السوفيتية.
أكثر من حفلات موسيقية
جاء تنظيم المهرجان بهدف الحفاظ على التراث الموسيقي الروسي وتعريف الأجيال الجديدة بالأعمال التي ارتبطت بمحطات تاريخية واجتماعية مختلفة. وتنوع البرنامج بين الأغاني الوطنية، والمقطوعات الكلاسيكية، وأعمال الجاز، والعروض الأوركسترالية، إضافة إلى أمسيات حوارية تناولت تاريخ الموسيقى السوفيتية وتأثيرها في المجتمع.
ولم يقتصر الحضور على من عاش تلك الحقبة، بل شارك عدد كبير من الشباب والعائلات، في مشهد يعكس استمرار الاهتمام بهذا الإرث الفني رغم مرور عقود على انتهاء الاتحاد السوفيتي.
كيف وُلد الجاز السوفيتي؟
رغم ارتباط موسيقى الجاز بالولايات المتحدة، فإنها وجدت طريقها إلى الاتحاد السوفيتي منذ عشرينيات القرن الماضي. وخلال العقود التالية مرّت بمراحل متباينة؛ ففي بعض الفترات واجهت قيوداً وانتقادات باعتبارها فناً غربياً، بينما شهدت في فترات أخرى ازدهاراً ملحوظاً، خاصة في الستينيات والسبعينيات، مع ظهور فرق وعازفين روس طوروا أسلوباً يمزج بين الجاز الكلاسيكي والألحان السلافية والموسيقى الشعبية المحلية.
وبهذا المزج، اكتسب الجاز السوفيتي شخصية خاصة تختلف عن نظيره الأمريكي، وأصبح جزءاً من المشهد الثقافي في المسارح والإذاعات والمهرجانات.
لماذا يعود الشباب إلى أغاني الماضي؟
يرى كثير من الباحثين أن الإقبال المتزايد على الأغاني السوفيتية لا يرتبط بالحنين وحده، بل بجودة الكلمات والألحان التي ركزت على القيم الإنسانية والحياة اليومية والعمل والحب والطبيعة. كما ساهم انتشار المنصات الرقمية في إعادة اكتشاف تسجيلات قديمة أصبحت متاحة لجيل لم يعش تلك المرحلة.
وتشهد مواقع البث الموسيقي وشبكات التواصل الاجتماعي انتشار مقاطع لأغانٍ سوفيتية يعيد المستخدمون توظيفها في مقاطع الفيديو القصيرة، ما منحها جمهوراً جديداً داخل روسيا وخارجها.
الموسيقى كجسر بين الأجيال
أثبت مهرجان “أصوات الورثة” أن الموسيقى قادرة على تجاوز الزمن، وأن الأعمال الفنية التي كُتبت قبل عشرات السنين لا تزال تجد مكانها في قلوب المستمعين. وبين أصوات الأوركسترا وألحان الجاز والأغنيات الكلاسيكية، قدم المهرجان صورة عن روسيا التي تحرص على صون تراثها الثقافي، مع فتح الباب أمام الأجيال الجديدة لاكتشافه بروح معاصرة.




