روسيا الخفيةهيدلاينز

من قصور القياصرة إلى المتاحف.. حكاية أفران روسية نادرة

إعداد – روسيانا

لم تكن الأفران في روسيا القديمة مجرد وسيلة للتدفئة. بعضها كان قطعة فنية تحمل رموزاً وزخارف تعكس مكانة أصحابها، بل وكانت الأفران الموجودة في القصور والأديرة قادرة على تحويل غرفة عادية إلى مساحة فاخرة ومهيبة.

واليوم، تعود تفاصيل تلك الأفران إلى الواجهة في مدينة تورجوك الروسية، بعدما افتتح متحف المدينة معرضاً جديداً بعنوان «حرارة البلاطات من أفران القياصرة»، يضم قطعاً أثرية نادرة عثر عليها علماء الآثار خلال أعمال تنقيب في دير الثالوث سرجيوس لافرا.

 قطع صغيرة.. وقصة كبيرة
قد تبدو بلاطة الفرن للوهلة الأولى مجرد قطعة خزفية قديمة، لكن هذه القطع تحمل معلومات كثيرة عن الفن والحياة اليومية في روسيا خلال عصور مختلفة.

ويضم المعرض مجموعة من البلاطات التي كانت جزءاً من أفران مزخرفة، إلى جانب قرميد أسود مصقول كان يستخدم في العمارة التاريخية. وتكشف هذه القطع عن تنوع كبير في الزخارف والتقنيات المستخدمة في صناعة الأفران.

 عندما يصبح الفرن رمزاً للمكانة
لم تكن الزخارف على الأفران مجرد تفاصيل جمالية.

فبعض مجموعات البلاطات المعروضة كانت مرتبطة بأفران قصور ملكية كانت تستخدم أثناء تنقلات أفراد الأسرة الحاكمة، ولذلك حمل تصميمها قيمة رمزية إلى جانب وظيفتها العملية.

وتوضح المصادر المتحفية أن البلاطات كانت تساعد أيضاً على الاحتفاظ بحرارة الفرن لفترة أطول، ما جعلها تجمع بين الوظيفة والجمال.

 أسود وغريفينات وحيوانات أسطورية
ومن أكثر ما يلفت النظر في هذه القطع الزخارف الموجودة عليها.

فالبلاطات تحمل رسومات وأشكالاً متنوعة، بينها أسود وغريفينات وحيوانات أسطورية ووحدات نباتية وزهور، ما يعطي فكرة عن الذوق الفني الذي كان حاضراً في صناعة الأفران آنذاك.

كما تظهر اختلافات في الألوان وطرق استخدام الطلاء الزجاجي، ما يعكس تطور هذه الصناعة وتنوعها عبر فترات زمنية مختلفة.

 من الأديرة إلى القصور
الكثير من القطع المعروضة ارتبطت بورش صناعة البلاطات في دير الثالوث سرجيوس لافرا، أحد أبرز المراكز التاريخية والدينية في روسيا.

وتشير المواد المتحفية إلى أن إنتاج هذه الورش لم يكن مجرد صناعة محلية، بل ترك بصمة واضحة على فن الأفران المزخرفة في المنطقة، من خلال التقنيات والزخارف والموضوعات المستخدمة.

 كيف عادت هذه القطع إلى الضوء؟
وصلت القطع إلى المعرض بعد أن عثر عليها علماء الآثار خلال أعمال تنقيب أجراها معهد الآثار التابع لأكاديمية العلوم الروسية في منطقة دير الثالوث سرجيوس لافرا.

وبعد دراسة القطع وحفظها، أصبحت جزءاً من معرض يتيح للجمهور رؤيتها وفهم الدور الذي لعبته الأفران المزخرفة في العمارة والحياة الروسية القديمة.

 تورجوك.. مدينة تحفظ طبقات من التاريخ
اختيار تورجوك لاستضافة المعرض ليس صدفة، فالمدينة نفسها تتمتع بإرث تاريخي غني، وتضم متحفاً تاريخياً ومعمارياً وإثنوغرافياً يهتم بالحفاظ على التراث المحلي.

وفي أغسطس 2026، استضافت المدينة برنامج «أيام الآثار المفتوحة»، الذي جمع محاضرات وجولات ومعارض وورشاً مرتبطة بالتاريخ والآثار، إلى جانب عرض الاكتشافات الأثرية الحديثة في المنطقة.

 قطعة أثرية تفتح نافذة على الماضي
ما يجعل هذه القصة مناسبة لقسم «روسيا الخفية» هو أن الاكتشاف لا يتعلق بقصر أو معلم سياحي شهير، بل بتفاصيل صغيرة يمكن أن تكشف الكثير عن الحياة في روسيا قبل قرون.

فمن خلال بلاطة خزفية أو قطعة قرميد، يستطيع الباحثون تتبع تطور الفن، وأساليب البناء، والذوق الاجتماعي، وحتى الطريقة التي كانت بها المساحات الداخلية تُدفأ وتُزيّن.

ربما لا تبدو بلاطات الأفران القديمة للوهلة الأولى من أهم الآثار التي يمكن اكتشافها، لكنها تحمل داخل زخارفها قصة كاملة عن روسيا القديمة.

ومن القصور الملكية إلى الأديرة وورش الحرفيين، تكشف هذه القطع كيف اجتمعت الحاجة إلى التدفئة مع الفن والرمزية والمكانة الاجتماعية، لتتحول الأفران نفسها إلى جزء من تاريخ العمارة الروسية.

وهكذا، قد تختبئ بعض أكثر القصص إثارة في روسيا داخل قطعة خزفية صغيرة عمرها قرون.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى