ماتريوشكاهيدلاينزيوميات روسيانا

أحذية على الأسوار.. ما سر الطقس الروسي الغريب؟

إعداد – روسيانا

في روسيا، لا يرتبط 16 سبتمبر بالتقويم الحديث فحسب، بل يحضر فيه تقليد شعبي قديم يحمل اسم «دومنا دوبْرورودنايا»، أو «يوم دومنا». وكان هذا اليوم، وفق الموروث الشعبي، مناسبة لترتيب المنزل والتخلص من الأشياء التي لم تعد صالحة للاستخدام، لكن إحدى عاداته كانت أكثر غرابة: تعليق الأحذية القديمة حول المنزل لحمايته من الحسد وسوء الطالع.

يوم للتخلص من «الخردة»
كان 16 سبتمبر يُنظر إليه في التقاليد الشعبية الروسية باعتباره وقتاً مناسباً لتنظيف المنزل والمخازن والمباني الزراعية، والتخلص من الأشياء المتراكمة خلال الصيف.

وكانت الأسر تجمع الملابس البالية والأدوات المكسورة وغيرها من الأشياء التي لم تعد نافعة. وما يمكن الاستفادة منه كان يُغسل ويُرتب، بينما كانت الأشياء التالفة يُتخلص منها، وأحياناً تُحرق مع مخلفات المحاصيل. أما بعض الأشياء التي لم تعد الأسرة بحاجة إليها لكنها ما زالت صالحة، فكان من المعتاد إعطاؤها للمحتاجين.

ولم يكن تنظيف المنزل مجرد عمل روتيني في المخيال الشعبي، إذ ارتبط الاعتقاد بأن التخلص من الفوضى والخردة يساعد على استقبال الخريف بوفرة وراحة، ويحمي المنزل من المتاعب.

المفاجأة.. الأحذية القديمة تصبح «حارساً»
لكن أغرب ما ارتبط بهذا اليوم كان الأحذية الروسية التقليدية القديمة، المعروفة باسم «لابتي».

فبدلاً من التخلص منها، كانت بعض الأسر تجمع عدداً كبيراً من الأحذية المهترئة وتعلقها على الأعمدة أو الأسوار المحيطة بالحديقة، أو تضعها قرب البوابات وحظائر الماشية. وكان الاعتقاد الشعبي أنها تساعد على حماية المنزل وأصحابه والحيوانات والمحاصيل من «العين الشريرة».

وكانت الفكرة وراء هذا الطقس أكثر غرابة من مجرد تعليق الأحذية.
بحسب الموروث الشعبي، إذا مر شخص يحمل نية سيئة ورأى عدداً كبيراً من الأحذية القديمة، فإنه سينشغل بعدّها، فيتشتت انتباهه ولا يتمكن من إلحاق الضرر بالمنزل أو أصحابه عبر الحسد أو «العين».

وهكذا تحولت قطعة مهترئة من الملابس اليومية إلى ما يشبه تعويذة شعبية لحماية البيت.

وما الذي كان يحدث بعد ذلك؟

مع حلول المساء، كان يتم التخلص من معظم الخردة التي جُمعت خلال النهار، سواء بإلقائها أو حرق ما يمكن حرقه وفق العادات المحلية. أما الأحذية القديمة التي استُخدمت في الطقس الوقائي فكان لها وضع مختلف.

وتزامن ذلك مع أعمال موسمية أخرى، بينها ترتيب المؤن والاستعداد لفصل الخريف، إضافة إلى الإسراع في إنهاء بعض الأعمال الزراعية قبل اشتداد الأمطار والبرد. ومن بين هذه الأعمال جمع الكتان الذي كان لا يزال حاضراً في بعض المناطق ضمن تقاليد هذا الوقت من السنة.

لماذا كان التخلص من الأشياء مهماً؟
تعكس هذه العادات طبيعة الحياة الريفية الروسية القديمة، عندما كانت الأسرة تعتمد بدرجة كبيرة على موارد المنزل والمزرعة، ولذلك كان الانتقال من الصيف إلى الخريف فرصة لإعادة ترتيب كل ما تراكم خلال الأشهر السابقة.

لكن الموروث الشعبي أضاف إلى هذا الجانب العملي طبقة من المعتقدات؛ فتنظيف البيت لم يكن مجرد ترتيب للمكان، بل ارتبط بفكرة التخلص من المتاعب وترك مساحة للخير والوفرة.

ولهذا ارتبط «يوم دومنا» أيضاً بالعطاء، إذ كان ما لا تحتاج إليه الأسرة ويمكن أن يستفيد منه الآخرون يُعطى للمحتاجين بدل التخلص منه.

من تقليد ريفي إلى حكاية من الموروث الروسي
اليوم، لم تعد هذه الطقوس جزءاً من الحياة اليومية لمعظم الروس، لكنها بقيت حاضرة في كتب ومتاحف وبرامج ثقافية تستعيد تقاليد التقويم الشعبي الروسي.

وتقدم مؤسسات ثقافية روسية برامج تعريفية حول «دومنا دوبْرورودنايا»، بما في ذلك قصص الأحذية القديمة وطقوس تنظيف المنزل والعادات المرتبطة بالاستعداد للخريف.

وهكذا يكشف تقليد صغير مثل تعليق الأحذية القديمة على الأسوار جانباً من عالم المعتقدات الشعبية الروسية، حيث كانت الأشياء اليومية تحمل أحياناً رمزية تتجاوز وظيفتها الأصلية بكثير.

من حذاء مهترئ إلى رمز للحماية
قد تبدو فكرة تعليق الأحذية القديمة حول المنزل غريبة اليوم، لكنها بالنسبة إلى الموروث الشعبي كانت جزءاً من محاولة فهم العالم المحيط والحفاظ على أمن الأسرة والرزق والمحصول.

وفي «دومنا دوبْرورودنايا»، اجتمعت النظافة والعمل والعطاء مع معتقدات الحماية في طقس واحد: التخلص من القديم، والإبقاء على ما يمكن أن يحمي البيت، والاستعداد لاستقبال موسم جديد.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى