صحفي أم مبرمج؟ تخصص روسي يجمع الاثنين

إعداد – روسيانا
لم تعد دراسة الصحافة في بعض الجامعات الروسية تقتصر على كتابة الأخبار وإجراء المقابلات وإنتاج التقارير، بل بدأت تفتح أمام الطلاب مساراً يجمع بين مهارات الإعلام والتكنولوجيا وتحليل البيانات.
وتقدم جامعة «المدرسة العليا للاقتصاد» في موسكو نموذجاً واضحاً لهذا الاتجاه، إذ يتضمن برنامج الصحافة مقررات إلزامية في تحليل البيانات باستخدام Python، إلى جانب مشروع دراسي متخصص في صحافة البيانات.
عندما تدخل الأرقام إلى غرفة الأخبار
الفكرة الأساسية في صحافة البيانات هي أن الصحفي لا يكتفي بالبحث عن المعلومات من المصادر التقليدية، بل يتعامل أيضاً مع مجموعات البيانات، ويفحصها وينظفها ويحللها بحثاً عن معلومات يمكن تحويلها إلى قصة صحفية.
وفي برنامج الصحافة بجامعة HSE، يتعلم الطلاب أساسيات الإحصاء وتحليل البيانات باستخدام Python، بما يمنح الطالب مهارات تتجاوز الأدوات التقليدية للعمل الصحفي.
وهذا يعني أن طالب الصحافة يمكن أن يجد نفسه أمام جدول بيانات أو مجموعة كبيرة من الأرقام، ثم يبحث فيها عن اتجاه أو علاقة أو معلومة تستحق أن تتحول إلى مادة صحفية.
الطالب يتعلم كيف يكتشف القصة داخل البيانات
ولا يتوقف الأمر عند الحسابات، إذ يتضمن مشروع «صحافة البيانات» في البرنامج تدريباً على العثور على البيانات والتحقق من موثوقيتها وتنظيفها وتحليلها ثم عرض نتائجها بطريقة مفهومة.
كما يتعلم الطلاب مبادئ التصور البصري للبيانات، بحيث يمكن تحويل الأرقام المعقدة إلى رسوم أو أشكال تساعد القارئ على فهم القصة بسرعة.
وتشمل الموضوعات أيضاً سرد القصص اعتماداً على البيانات، ومصادر البيانات، والتحليل الأساسي في العمل الصحفي، وأخلاقيات صحافة البيانات والقواعد القانونية المرتبطة بها.
من الصحفي إلى «صحفي البيانات»
هذا النوع من الدراسة يفتح تصوراً مختلفاً لمهنة الصحفي.
فبدلاً من أن يكون دور الصحفي نقل المعلومات الجاهزة فقط، يصبح قادراً على البحث داخل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف مؤشرات قد لا تكون واضحة للوهلة الأولى، ثم تحويلها إلى قصة صحفية.
وتذهب جامعة HSE أبعد من ذلك في برنامج الماجستير «الصحافة الحديثة»، حيث توجد مساقات مرتبطة بمسار «صحافة البيانات»، بينها مقدمة في البيانات والبرمجة، وتحليل البيانات والإحصاء، وسرد القصص المبني على البيانات، إضافة إلى تحليل متقدم للبيانات.
وحتى النصوص يمكن تحليلها بالحاسوب
من الجوانب الأكثر غرابة في هذا النوع من التعليم وجود مقرر اللغويات الحاسوبية ضمن مسار صحافة البيانات في برنامج الماجستير.
ويتدرب الطلاب على استخدام الأساليب الحاسوبية لتحليل النصوص واستخراج المعلومات من مجموعات نصية، بهدف استخدامها في إعداد المواد الصحفية القائمة على البيانات.
وهنا تقترب الصحافة من علوم الحاسوب بصورة مباشرة: فالطالب لا يقرأ النصوص فقط، بل يتعلم كيف يمكن للأدوات الرقمية مساعدته في اكتشاف الأنماط والمعلومات الموجودة داخل كميات كبيرة منها.
موسكو توسع الفكرة إلى الصحافة الرقمية
ولا يقتصر هذا الاتجاه على جامعة واحدة.
فبرنامج «الصحافة الرقمية» في جامعة موسكو الحكومية يتضمن دراسة صحافة البيانات، إلى جانب البرمجة للويب وتعلم الآلة وتقنيات الصحافة الرقمية والبحث والتحليل في البيئة الرقمية. ويُنفذ البرنامج بالتعاون مع كلية الحوسبة الرياضية والرياضيات الإلكترونية، ما يعكس الطبيعة المشتركة بين الإعلام والتكنولوجيا.
كما تصف الجامعة البرنامج بأنه يستهدف تطوير مهارات إبداعية وتكنولوجية وتنظيمية وتحليلية يحتاج إليها العاملون في الصحافة الرقمية الحديثة.
ماذا يمكن أن يستفيد الطالب؟
بالنسبة للطالب الذي يفكر في دراسة الإعلام في روسيا، يفتح هذا النوع من البرامج مساراً مختلفاً عن الصورة التقليدية للصحفي.
فالطالب يمكن أن يخرج من الجامعة وهو يجمع بين الكتابة الصحفية، والتحقق من المعلومات، والإحصاء، وتحليل البيانات، والتصور البصري، وبعض مهارات البرمجة.
وهذه التركيبة تسمح له بالتعامل مع مجالات إعلامية تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والأدوات الرقمية، بدلاً من حصر مستقبله المهني في الصحافة التقليدية.
الصحفي الذي يفهم الأرقام
تكشف هذه البرامج عن اتجاه أوسع في التعليم الإعلامي الروسي: إعداد صحفي لا يخشى الأرقام والبرمجيات، بل يستخدمها للوصول إلى قصص جديدة.
وبالنسبة لمن يختار دراسة الصحافة في روسيا، فإن تجربة صحافة البيانات تقدم احتمالاً مثيراً: أن تتعلم كيف تكتب الخبر، وفي الوقت نفسه كيف تبحث عن القصة المختبئة داخل ملايين الأرقام.
وهكذا قد لا يكون السؤال مستقبلاً: هل تدرس الصحافة أم تحليل البيانات؟ بل: لماذا لا تتعلم الاثنين معاً؟




