بيتيلينو.. مصحّ روسي يخفي حكاية من الماضي

إعداد – روسيانا
بعيداً عن صخب المدن الروسية، وفي منطقة ريفية قرب مدينة تولا، يقع مجمّع علاجي نفسي تعود جذوره إلى أكثر من قرن. لم يبدأ هذا المكان كمستشفى تقليدي، بل انطلقت حكايته من ضيعة ريفية واسعة، أحاطت بها الغابات وحديقة قديمة من أشجار الزيزفون، قبل أن تتحوّل إلى واحدة من المؤسسات العلاجية النفسية المعروفة في المنطقة.
ضيعة ريفية اختيرت لتكون مكاناً للعلاج
تعود بداية الحكاية إلى عام 1904، عندما قررت سلطات إقليم تولا إنشاء مستعمرة علاجية نفسية تعتمد على تنظيم الحياة اليومية والعمل الزراعي ضمن إطار علاجي.
وبعد دراسة عدة عقارات، وقع الاختيار على ضيعة عائلة كازارينوف في قرية بيتيلينو، على مسافة تقارب 8.5 كيلومترات من تولا آنذاك.
امتدت الأراضي على مساحة واسعة، شملت غابة ومباني قائمة ومنزلاً خشبياً من طابقين وكنيسة منزلية قرب حديقة قديمة من أشجار الزيزفون. وقد جعلت هذه العناصر الموقع مناسباً لإنشاء مجمّع علاجي بعيداً عن ازدحام المدينة.
من منزل ريفي إلى مجمّع علاجي كبير
لم ينتظر المشروع اكتمال جميع المباني؛ ففي ربيع عام 1906، استقبل الموقع أول مجموعة من المرضى داخل المنزل القديم، بينما استمر بناء الأجنحة العلاجية والمرافق الجديدة.
وتواصلت أعمال الإنشاء حتى عام 1911، لتضمّ المستعمرة مباني علاجية وسكناً للعاملين ومطبخاً ومغسلة وحماماً وكنيسة صغيرة، إلى جانب مرافق خدمية أخرى.
وكان المشروع واسعاً بالنسبة إلى عصره، إذ صُمّم لاستيعاب مئات المرضى ضمن نظام يهدف إلى تنظيم الرعاية والحياة اليومية.
عندما أصبحت الزراعة جزءاً من الحياة العلاجية
لم تقتصر وظيفة المكان على توفير الإقامة والرعاية الطبية؛ فقد اعتمدت المستعمرة أيضاً على العمل الزراعي والأنشطة المهنية.
عمل المرضى في زراعة الخضراوات والحبوب والعناية بالأشجار والزهور، كما وُجدت ورش للخياطة وصناعة الأحذية وتجليد الكتب. وشملت الحياة اليومية أنشطة اجتماعية مثل اللقاءات وحفلات الشاي والعروض المسرحية.
عكست هذه التجربة توجهاً علاجياً كان سائداً في ذلك الوقت، يقوم على تنظيم النشاط اليومي والعمل ضمن بيئة مؤسسية، بدلاً من الاقتصار على الإقامة داخل الأجنحة الطبية.
مكان ما زال يحمل آثار تاريخه
بعد أكثر من قرن على تأسيسه، ما زالت المؤسسة تعمل تحت اسم مستشفى تولا الإقليمي للأمراض النفسية رقم 1 باسم نيكولاي كامينييف.
وهكذا، لم تكن بيتيلينو مجرد ضيعة ريفية تحيط بها الأشجار، بل تحوّلت إلى مشروع علاجي كبير يكشف جانباً غير مألوف من تاريخ الطب والحياة الاجتماعية في روسيا مطلع القرن العشرين.
روسيا الخفية ليست دائماً مكاناً مهجوراً أو لغزاً غامضاً؛ فأحياناً تكمن الحكاية في موقع ما زال حياً، ويحمل بين مبانيه وطرقه آثار زمن مختلف.




