أقدم ألغاز موسكو.. مكتبة اختفت وبقيت الحكاية

إعداد – روسيانا
تختبئ في تاريخ روسيا حكاية غامضة عن مكتبة يُعتقد أنها ضمّت مخطوطات نادرة وكتباً قديمة من ثقافات مختلفة، قبل أن تختفي آثارها وتتحول إلى أحد أشهر الألغاز المرتبطة بموسكو. إنها مكتبة إيفان الرابع، المعروف باسم إيفان الرهيب، الحاكم الذي ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة الروسية في القرن السادس عشر.
تتحدث روايات تاريخية عن مجموعة من الكتب اليونانية واللاتينية وغيرها من المؤلفات القديمة، قيل إنها حُفظت في موسكو خلال عهد القيصر أو وصلت إلى حوزة أسرته قبله. ومع مرور الزمن، ارتبطت هذه المجموعة بحكايات عن أقبية سرية تحت الكرملين، وبحث طويل لم يسفر عن العثور على الكنز المزعوم.
لكن خلف جاذبية القصة يبرز سؤال أكثر أهمية: هل كانت المكتبة موجودة بالفعل بالصورة التي تصفها الروايات، أم أن حكايتها امتزجت بالأساطير حتى أصبحت لغزاً يصعب الفصل فيه بين الحقيقة والخيال؟
من أين بدأت حكاية المكتبة المفقودة؟
ترتبط إحدى أشهر الروايات عن المكتبة بالعائلة الحاكمة في موسكو، وتحديداً بإيفان الثالث، جد إيفان الرهيب، الذي حكم دوقية موسكو الكبرى في أواخر القرن الخامس عشر. ووفقاً للقصة المتداولة، ربما وصلت إلى البلاط الروسي مجموعة من المخطوطات البيزنطية عبر صوفيا باليولوج، زوجة إيفان الثالث، المنحدرة من الأسرة الإمبراطورية البيزنطية.
وتذهب الرواية إلى أن المجموعة انتقلت بين أفراد الأسرة الحاكمة، قبل أن ترتبط باسم إيفان الرابع، الذي حكم روسيا بين عامي 1533 و1584. لكن التفاصيل المتعلقة بمصدر الكتب وعددها ومحتوياتها ليست محسومة، كما أن الروايات التي تربطها مباشرة بمكتبات القسطنطينية القديمة لا تحظى بإثبات تاريخي قاطع.
مخطوطات نادرة وكتب من عصور قديمة
تصف الحكايات المكتبة بأنها مجموعة استثنائية من الكتب التي كُتبت بلغات مختلفة، بينها اليونانية واللاتينية، وتضم مؤلفات قديمة يُقال إن بعضها لم يعد متاحاً في مجموعات أخرى.
وقد اكتسبت القصة جاذبيتها من احتمال أن تكون هذه المكتبة قد احتفظت بنصوص أدبية وفلسفية وتاريخية نادرة، الأمر الذي كان سيمنح العثور عليها أهمية كبيرة لدراسة تاريخ المعرفة في أوروبا وروسيا.
غير أن الصورة الشائعة عن المكتبة بوصفها مستودعاً ضخماً يضم أعمالاً مفقودة من حضارات متعددة تستند إلى روايات متفاوتة الموثوقية. ولا توجد قائمة مؤكدة يمكن الاعتماد عليها لتحديد محتوياتها كاملة، أو إثبات أن الكتب التي تتحدث عنها الأسطورة كانت موجودة بالفعل ضمن مجموعة واحدة.
شهادة من القرن السادس عشر أشعلت اللغز
من الروايات التي ساعدت على انتشار قصة المكتبة حكاية مرتبطة برجل دين ألماني يُدعى يوهانس فيترمان، قيل إنه وصل إلى موسكو خلال عهد إيفان الرابع، وشاهد مجموعة من الكتب القديمة المحفوظة في مكان مغلق داخل الكرملين.
وبحسب الرواية التي نقلتها كتابات لاحقة، طُلب من فيترمان وآخرين الاطلاع على الكتب وتقييمها، بعدما استُدعي بعضهم بسبب معرفتهم باللغات القديمة. وقيل إن المجموعة تضمنت مؤلفات لم تكن معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت.
لكن هذه الحكاية وصلت عبر روايات تاريخية لاحقة، وليست تقريراً أصلياً محفوظاً يمكن فحصه بصورة مستقلة. ولهذا يتعامل الباحثون معها بحذر، ولا يعدّونها وحدها دليلاً نهائياً على وجود المكتبة بالوصف الذي شاع عنها.
الكرملين.. الموقع الذي تركزت فيه عمليات البحث
على مدى قرون، اتجهت الأنظار إلى الكرملين في موسكو باعتباره الموقع الأكثر ترجيحاً لوجود المكتبة، وفقاً للروايات المتداولة. وتحدثت بعض الفرضيات عن غرف مغلقة وممرات تحت الأرض ربما استُخدمت لحفظ الكتب وحمايتها.
وفي القرن التاسع عشر، أُجريت عمليات بحث في أقبية الكرملين، لكنها لم تسفر عن العثور على مجموعة المخطوطات. كما استمرت محاولات البحث في القرن العشرين، مدفوعة بالاعتقاد أن المكتبة قد تكون مخفية في مكان لم يُستكشف بالكامل.
ومع ذلك، فإن العثور على أقبية أو ممرات قديمة لا يثبت أنها كانت تضم المكتبة. وحتى الآن، لم يُعلن عن اكتشاف أثري موثوق يربط موقعاً محدداً بالمجموعة المفقودة.
إغناتي ستيلتسكي.. عالم آثار طارد السر
من أبرز الذين كرسوا جهودهم للبحث عن المكتبة عالم الآثار الروسي إغناتي ستيلتسكي، الذي درس الخرائط والوثائق القديمة أملاً في تحديد موقع محتمل للمجموعة.
وخلال عامي 1933 و1934، أُجريت أعمال بحث في أجزاء من الكرملين، في محاولة للوصول إلى منشآت تحت الأرض قد تكون مرتبطة بالروايات التاريخية. لكن هذه الجهود لم تكشف عن المكتبة، ولم يُعثر على مخطوطات يمكن نسبتها إليها بصورة مؤكدة.
ولم تنتهِ القصة عند ذلك؛ إذ تظهر وثائق أرشيفية أن احتمال العثور على المكتبة ظل موضع اهتمام في العهد السوفيتي أيضاً. ففي عام 1937، وصلت إلى السلطات مراسلات تقترح موقعاً محتملاً لمجموعة كتب القياصرة، لكن الوثائق المنشورة عن الواقعة لا تثبت إجراء عملية بحث ناجحة أو العثور على المكتبة.
هل اختفت المكتبة خلال الحروب والحرائق؟
يفترض أحد التفسيرات أن الكتب ربما تفرقت أو تعرضت للتلف خلال الاضطرابات التي شهدتها موسكو في القرون الماضية. فقد عرفت المدينة حرائق وصراعات سياسية وعسكرية أدت إلى ضياع وثائق ومجموعات تاريخية كثيرة.
ومن المعروف أن السجلات الروسية القديمة تعرضت لخسائر كبيرة خلال فترة الاضطرابات في مطلع القرن السابع عشر، وكذلك في حرائق لاحقة. وقد جعل نقص الوثائق المتاحة إعادة بناء بعض جوانب تاريخ موسكو أمراً صعباً على المؤرخين.
لكن لا توجد أدلة كافية تربط المكتبة المفقودة بحريق بعينه أو تثبت أنها دُمرت في فترة محددة. لذلك تبقى فرضية ضياعها خلال الاضطرابات احتمالاً غير محسوم، مثلها مثل فرضيات نقل الكتب إلى مكان آخر أو المبالغة في وصف المجموعة منذ البداية.
مكتبة حقيقية أم أسطورة تاريخية؟
لا يتفق الباحثون على تفسير واحد لحكاية مكتبة إيفان الرهيب. فهناك دراسات ترى أن الروايات المتراكمة تستحق البحث، وأن احتمال وجود مجموعة قيصرية من الكتب القديمة لا يمكن استبعاده. في المقابل، يشير باحثون إلى ضعف بعض المصادر وغياب الأدلة المادية التي تثبت وجود المكتبة بالشكل الذي تصفه القصص.
وتكمن المشكلة في أن الحكاية تجمع بين إشارات تاريخية إلى كتب ومجموعات ملكية، وروايات لاحقة عن غرف سرية ومخطوطات استثنائية. ومن دون وثائق أصلية واضحة أو اكتشاف أثري موثوق، يصعب الفصل بصورة نهائية بين ما قد يكون حقيقة تاريخية وما أضافته المخيلة الشعبية عبر الزمن.
لغز روسي لم يُغلق بعد
بعد قرون من تداول القصة، لا تزال مكتبة إيفان الرهيب واحدة من أشهر الألغاز المرتبطة بتاريخ موسكو. فقد جذبت اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار، وأطلقت عمليات بحث متكررة، لكنها لم تُفضِ حتى الآن إلى اكتشاف يثبت موقعها أو يكشف محتوياتها.
وإذا كانت المكتبة قد وُجدت بالفعل، فإن العثور عليها قد يفتح نافذة مهمة على تاريخ الكتب والمخطوطات في روسيا وأوروبا. أما إذا كانت الرواية قد تضخمت مع مرور الزمن، فستظل مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها إشارات تاريخية محدودة إلى لغز يعيش قروناً.
ويبقى السؤال الذي يمنح الحكاية سحرها: هل ما زالت مخطوطات مكتبة إيفان الرهيب تنتظر من يعثر عليها تحت شوارع موسكو، أم أن المكتبة المفقودة لم توجد يوماً بالصورة التي تخيلها الباحثون




