روسيا الخفيةهيدلاينز

متحف الغرائب.. سرّ القيصر الروسي

إعداد – روسيانا

في قلب سانت بطرسبرغ، يقف متحف تاريخي بدأ بفكرة غير مألوفة في عصره: جمع الأشياء النادرة التي تكشف أسرار الطبيعة وجسم الإنسان والعالم المحيط به، بدلاً من تركها أسيرة الخرافات والمعتقدات الشعبية.

تعود حكاية المتحف إلى القيصر بطرس الأكبر، الذي أسس «كونستكاميرا» في مطلع القرن الثامن عشر، لتصبح أول مؤسسة متحفية عامة في روسيا. ولم تكن مجموعاته مجرد أشياء غريبة للفرجة، بل مشروعاً لنشر المعرفة العلمية وتعريف الناس بظواهر لم تكن مفهومة على نطاق واسع آنذاك.

من عينات نادرة إلى عالم من الأسرار
بدأت المجموعة بمواد طبيعية وتشريحية ومقتنيات جمعها بطرس الأكبر خلال رحلاته، ثم توسعت لتشمل عينات من الحيوانات والنباتات والمعادن والأحافير، إلى جانب أدوات علمية ومقتنيات ثقافية من شعوب مختلفة.

وكان القيصر مهتماً بجمع ما يثير الفضول ويدفع إلى البحث. وفي مرسوم صدر في عهده، شُجّع الناس على تقديم عينات نادرة من الطبيعة وعظام بشرية وحيوانية وأحجار وأشياء أثرية، بهدف دراستها وحفظها.

لماذا جمع القيصر أشياء أثارت دهشة الناس؟
في زمن انتشرت فيه تفسيرات خرافية لبعض الظواهر الطبيعية والتشوهات الخَلقية، أراد بطرس الأكبر أن تصبح هذه الحالات موضوعاً للملاحظة والدراسة. وشملت المجموعات عينات تشريحية محفوظة وهياكل عظمية وحيوانات وزواحف، إلى جانب معروضات ساعدت الباحثين على دراسة الجسم والكائنات الحية.

لكن هذه التجربة حملت جانباً مثيراً للجدل أيضاً؛ إذ تضمّن أحد مراسيم القيصر طلب إرسال حالات خَلقية غير مألوفة إلى سانت بطرسبرغ مقابل مكافآت، مع فرض غرامات على إخفائها. وتعكس هذه الممارسة أساليب جمع العينات في ذلك العصر، قبل تطور المعايير الأخلاقية الحديثة في التعامل مع الأشخاص ذوي الاختلافات الخَلقية.

متحف تجاوز فكرة الغرائب
لم يتوقف «كونستكاميرا» عند عرض العينات النادرة، بل تحول إلى مركز علمي ارتبط بتطور أكاديمية العلوم الروسية. وضمت مجموعاته كتباً وأدوات فلكية وخرائط ومعادن ونباتات وآثاراً ومقتنيات توثق ثقافات شعوب مختلفة.

ومع تطور العلوم خلال القرون التالية، انتقلت مجموعات عديدة إلى متاحف متخصصة، فيما احتفظ «كونستكاميرا» بمكانته مؤسسةً تجمع تاريخ المعرفة بالأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والعلوم الطبيعية.

مبنى تاريخي يخفي حكاية علمية
يقع المتحف على ضفاف نهر نيفا في سانت بطرسبرغ، ويُعد مبناه من أقدم المباني التي شُيّدت خصيصاً لأغراض متحفية في روسيا. وتعلو برجه كرة فلكية أصبحت من أبرز علاماته المعمارية.

واليوم، يمكن للزائر اكتشاف جانب غير مألوف من تاريخ روسيا، لا يرتبط بالقصور والمعارك وحدها، بل بمحاولة مبكرة لفهم العالم من خلال جمع الأدلة والعينات ودراستها.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى