
إعداد – روسيانا
من قنفذ صغير تائه وسط الضباب إلى حكايات تختلط فيها الذكريات بالأحلام، استطاع المخرج الروسي يوري نورشتاين أن يصنع عالماً فنياً استثنائياً، تجاوز حدود أفلام الأطفال ليصل إلى جمهور واسع من عشاق السينما والفنون حول العالم.
لم يعتمد نورشتاين على الحركة السريعة والمؤثرات البصرية المبهرة لجذب المشاهدين، بل اختار طريقاً مختلفاً يقوم على التفاصيل الدقيقة والأجواء الحالمة والقصص التي تترك مساحة للخيال والتأمل. وبفضل أسلوبه الخاص، أصبحت أعماله من المحطات البارزة في تاريخ الرسوم المتحركة، وحظيت بتقدير نقاد وفنانين ومهرجانات دولية.
من العمل اليدوي إلى عالم الرسوم المتحركة
وُلد يوري نورشتاين عام 1941، ونشأ في موسكو، حيث تشكلت ملامح اهتمامه بالفن والرسم. وقبل أن يصبح أحد الأسماء البارزة في عالم التحريك، عمل في النجارة، ثم تلقى تدريباً متخصصاً في الرسوم المتحركة، والتحق باستوديو «سيوز مولتفيلم» السوفيتي، الذي كان من أبرز مراكز إنتاج أفلام التحريك.
بدأت رحلته المهنية بالعمل ضمن فرق فنية شاركت في إنتاج أفلام متعددة، قبل أن يتجه إلى الإخراج ويطور لغته البصرية الخاصة. ولم يكن طريقه نحو النجاح سريعاً أو سهلاً، إذ واجه في بداياته شكوكاً بشأن استمراره في هذا المجال، وكان يميل إلى الرسم والفنون التشكيلية.
لكن التجربة التي اكتسبها في الاستوديو، إلى جانب اهتمامه بالتفاصيل والبحث عن طرق جديدة لتحريك الشخصيات، ساعدته على بناء أسلوب مميز جعله لاحقاً من أبرز مخرجي الرسوم المتحركة في روسيا والعالم.
«قنفذ في الضباب».. حكاية صغيرة صنعت شهرة عالمية
يُعد فيلم «قنفذ في الضباب»، الذي صدر عام 1975، أشهر أعمال نورشتاين وأكثرها ارتباطاً باسمه. وتدور حكايته حول قنفذ صغير يشق طريقه وسط الضباب للقاء صديقه، لكنه يواجه خلال رحلته مشاهد غامضة وكائنات غير مألوفة، في تجربة تجمع بين الفضول والخوف والدهشة.
تبدو القصة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعتمد على أجواء بصرية وصوتية تمنح الرحلة العادية أبعاداً أعمق. فالضباب لا يمثل مجرد خلفية للمشاهد، بل يصبح جزءاً أساسياً من التجربة، إذ يحجب التفاصيل ويجعل كل خطوة تحمل احتمال اكتشاف شيء جديد.
وقد أسهمت هذه المعالجة الفنية في منح الفيلم مكانة استثنائية، إذ اختارته لجنة ضمت نحو 140 من العاملين في مجال الرسوم المتحركة، خلال مهرجان «لابوتا» في طوكيو عام 2003، بوصفه أفضل فيلم رسوم متحركة في التاريخ وفق تصويتهم.
وهكذا تحولت مغامرة القنفذ القصيرة إلى عمل معروف على نطاق دولي، وأصبحت الشخصية الصغيرة واحدة من أبرز رموز عالم نورشتاين الفني.
تقنية مختلفة.. كيف صنع عالماً يبدو ثلاثي الأبعاد؟
لم يكن تميز نورشتاين قائماً على القصة وحدها، بل امتد إلى الطريقة التي صنع بها أفلامه. فقد اعتمد على تقنية التحريك بالقصاصات والطبقات المتعددة، مستخدماً عناصر مرسومة وطبقات من الزجاج توضع على مستويات مختلفة أمام الكاميرا.
وتسمح هذه الطريقة بإنتاج إحساس بالعمق والمسافة، بحيث تبدو الشخصيات والخلفيات وكأنها تتحرك داخل فضاء حي، رغم أن عناصر المشهد مصنوعة من مواد مسطحة.
ومن خلال التحكم في الإضاءة والظلال وحركة العناصر، استطاع نورشتاين بناء مشاهد تتسم بالنعومة والغموض، مع عناية خاصة بالتفاصيل الصغيرة التي قد تمر دون ملاحظة في المشاهدة الأولى.
كما ارتبط أسلوبه بالتعاون الفني الوثيق مع زوجته فرانشيسكا ياربوسوفا، التي أسهمت في تصميم الشخصيات والعوالم البصرية لأعماله، ومنها «قنفذ في الضباب». وقد شكل هذا التعاون جزءاً مهماً من الهوية الفنية التي تميز أفلامه.
«حكاية الحكايات».. فيلم يتجاوز حدود القصص التقليدية
إذا كان «قنفذ في الضباب» قد منح نورشتاين شهرة واسعة، فإن فيلم «حكاية الحكايات»، الصادر عام 1979، عزز مكانته بوصفه فناناً يتعامل مع الرسوم المتحركة باعتبارها وسيلة للتعبير عن الذاكرة والمشاعر الإنسانية.
لا يسير الفيلم وفق حبكة تقليدية متتابعة، بل يجمع بين مشاهد وذكريات وصور تتداخل فيها الطفولة والحب والفقد والحياة اليومية. وتظهر خلاله شخصية ذئب رمادي صغير، يراقب بصمت عالماً تتجاور فيه لحظات إنسانية مختلفة.
ويمنح هذا البناء المشاهد حرية تفسير الصور وربطها بتجاربه الخاصة، بدلاً من تقديم إجابات مباشرة أو الاكتفاء بحكاية موجهة للأطفال.
وقد حصد الفيلم تقديراً دولياً واسعاً، واختير أفضل فيلم رسوم متحركة في تصويت متخصص خلال مهرجان الفنون الأولمبية في لوس أنجلوس عام 1984، ثم نال التقدير نفسه في تصويت دولي بمهرجان زغرب عام 2002.
لماذا تبدو أفلامه مختلفة عن الرسوم المتحركة الحديثة؟
تقوم تجربة نورشتاين على رؤية فنية تضع الأجواء والتفاصيل والمشاعر في مقدمة عناصر العمل. ففي أفلامه، قد تحمل حركة بسيطة أو نظرة عابرة أو صوت بعيد دلالة أكبر من مشهد مليء بالأحداث.
كما تمنح أعماله الطبيعة والأماكن المحيطة بالشخصيات دوراً أساسياً في بناء القصة. فالضباب والغابة والضوء والظل ليست عناصر تزيينية، بل مكونات تؤثر في إحساس المشاهد وتدفعه إلى تخيل ما قد يحدث خارج حدود الصورة.
ويختلف هذا الأسلوب عن كثير من إنتاجات الرسوم المتحركة التجارية التي تعتمد على الإيقاع السريع وتتابع الأحداث. فالأعمال التي قدمها نورشتاين تتيح للمشاهد التوقف والتأمل، وتبقى قابلة لاكتشاف معانٍ جديدة عند إعادة مشاهدتها.
مشروع لم ينتهِ.. حكاية «المعطف»
من أبرز محطات مسيرة نورشتاين مشروعه السينمائي «المعطف»، المستوحى من قصة الكاتب الروسي نيكولاي غوغول. بدأ العمل عليه عام 1981، وتحول مع مرور الوقت إلى مشروع طويل ارتبط اسمه بالكمال الفني والدقة الشديدة في التنفيذ.
استغرق إنتاج الفيلم سنوات طويلة، إذ اختار نورشتاين مواصلة العمل على تفاصيله بدلاً من الاستعجال في إنجازه. وأصبح المشروع مثالاً على طبيعة مقاربته للفن، حيث لا يتعامل مع الرسوم المتحركة بوصفها عملية إنتاج سريعة، بل باعتبارها عملاً يحتاج إلى صبر وتجريب ومراجعة مستمرة.
وتكشف هذه التجربة جانباً آخر من شخصيته المهنية؛ فالفنان الذي استطاع ترك بصمة عالمية من خلال أفلام قصيرة، ظل متمسكاً بمشروعه الطويل، رغم ما واجهه من صعوبات إنتاجية وتأخر في الإنجاز.
إرث فني يتجاوز الأجيال
لم تقتصر أهمية نورشتاين على الجوائز التي حصدتها أعماله، بل امتدت إلى تأثيره في أجيال من الفنانين ومخرجي الرسوم المتحركة. وقد عبّر المخرج الياباني هاياو ميازاكي، أحد أبرز أسماء التحريك في العالم، عن إعجابه بفنه، كما حصل نورشتاين على تكريمات دولية تقديراً لإسهاماته في هذا المجال.
وتكمن قوة تجربته في إثبات أن الرسوم المتحركة ليست مجرد وسيلة للترفيه أو إنتاج قصص موجهة للصغار، بل لغة فنية قادرة على تناول الذاكرة والخيال والعلاقات الإنسانية بأساليب تتجاوز الحدود الثقافية واللغوية.
ومن خلال شخصيات بسيطة وعوالم مرسومة بعناية، استطاع المخرج الروسي بناء تجربة لا تعتمد على ضخامة الإنتاج بقدر اعتمادها على حساسية الفنان وقدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مشاهد تبقى في الذاكرة.
لم يصنع يوري نورشتاين عالماً من الرسوم المتحركة فحسب، بل قدّم نموذجاً لفن يترك للمشاهد مساحة للحلم والتأمل. وبين ضباب الغابة وذكريات «حكاية الحكايات»، تواصل أعماله جذب أجيال جديدة، مؤكدة أن بعض القصص لا تفقد سحرها مهما مر الزمن.




