
إعداد – روسيانا
كيف يمكن لإنسانة لا ترى العالم ولا تسمع أصواته أن تدرسه وتكتب عنه؟
هذا السؤال تحوّل إلى قصة حياة أولغا سكوروخودوفا، الباحثة والكاتبة الروسية التي فقدت بصرها وسمعها في طفولتها، لكنها لم تسمح للعزلة بأن تنهي رحلتها، لتصبح واحدة من أبرز الباحثات في دراسة عالم الأشخاص الصم المكفوفين.
قصة أولغا لم تكن مجرد حكاية عن التغلب على الإعاقة، بل أصبحت تجربتها الشخصية نفسها مادة علمية ساعدت الباحثين على فهم الإدراك والتعلم والنمو النفسي لدى الأشخاص الذين يعيشون من دون السمع والبصر.
المرض الذي غيّر حياتها
أصيبت أولغا في طفولتها بالتهاب السحايا، وهو المرض الذي أدى إلى فقدانها بصرها، ثم تراجع سمعها تدريجياً حتى فقدته بالكامل تقريباً.
ومع فقدان السمع والبصر، أصبحت قدرتها على التواصل مع العالم محدودة للغاية، كما فقدت قدرتها على الكلام في مرحلة من حياتها.
لكن نقطة التحول جاءت عندما وصلت إلى مدرسة خاصة للأطفال الصم المكفوفين في خاركيف، حيث بدأت رحلة تعليمية مختلفة تماماً عن أي تجربة تقليدية.
العالم الذي لا تراه
عملت أولغا تحت إشراف العالم والمربي إيفان سوكوليانسكي، الذي ساعدها على تطوير وسائل جديدة للتواصل والتعلم.
ومع مرور الوقت، استعادت قدرتها على الكلام وبدأت تتعلم الكتابة، ثم شرعت في تسجيل ملاحظاتها الشخصية عن الطريقة التي تدرك بها الأشياء والأصوات والطبيعة والعالم المحيط بها.
كانت تكتب ما تشعر به وتلمسه وتستنتجه، ومع تراكم هذه الملاحظات، تحولت يومياتها الشخصية إلى مادة علمية نادرة، لأنها قدمت وصفاً للعالم من منظور شخص فقد أهم حاستين يعتمد عليهما الإنسان في معرفة محيطه: السمع والبصر.
من التجربة إلى البحث
لم تتوقف أولغا عند الكتابة، في عام 1948، بدأت العمل باحثة في معهد أبحاث متخصص تابع لأكاديمية العلوم التربوية في الاتحاد السوفيتي، وكرست حياتها لدراسة قضايا نمو وتعليم وتربية الأطفال الصم المكفوفين.
وفي عام 1961 حصلت على درجة علمية في مجال العلوم التربوية المرتبطة بعلم النفس.
وبذلك أصبحت أولغا حالة استثنائية في الوسط العلمي، إذ كانت باحثة تدرس تجربة عاشتها بنفسها، وتحاول من خلالها مساعدة الآخرين على فهم عالم الأشخاص الصم المكفوفين بصورة أعمق.
كتاب هزّ العالم
في عام 1947، نشرت أولغا كتابها الشهير «كيف أدرك العالم من حولي».
لم يكن الكتاب رواية أو سيرة ذاتية تقليدية، بل تجربة إنسانية وعلمية في الوقت نفسه.
وصفت فيه كيف تتعرف إلى الأشياء من خلال اللمس، وكيف تدرك التغيرات في البيئة، وكيف تبني في ذهنها تصوراً للعالم من دون أن تراه أو تسمعه.
لاحقاً، توسع الكتاب في طبعات وأجزاء أخرى، ليصبح من أهم الأعمال المرتبطة بدراسة الإدراك والتعليم لدى الأشخاص الصم المكفوفين.
كما تُرجمت أعمالها إلى لغات مختلفة وحظيت باهتمام واسع في الأوساط العلمية والتربوية.
لم ترَ العالم.. لكنها ساعدت على فهمه
تكمن قوة قصة أولغا سكوروخودوفا في أنها لم تكتفِ بالتكيف مع ظروفها.
لقد حولت تجربتها إلى معرفة، وبينما اعتقد كثيرون أن فقدان السمع والبصر يعني الانعزال الكامل عن الحياة، أثبتت الباحثة الروسية أن الإنسان قادر على بناء علاقته بالعالم بطرق أكثر تعقيداً مما نتخيل.
عاشت أولغا حتى عام 1982، وتركت وراءها كتباً وأبحاثاً ما زالت تمثل وثائق مهمة في دراسة علم النفس والتربية الخاصة.
أما قصتها، فتظل واحدة من أكثر القصص الروسية إلهاماً:
امرأة فقدت القدرة على رؤية العالم وسماعه، لكنها أمضت حياتها في محاولة فهمه… وشرحه للآخرين.





