مقابر تحولت إلى حدائق.. الوجه الخفي لموسكو

إعداد – روسيانا
قد تبدو بعض حدائق موسكو اليوم مساحات خضراء هادئة يقصدها السكان للتنزه، لكن بعضها يخفي تحت أشجاره وممراته تاريخاً مختلفاً تماماً. فقد أُقيمت حدائق ومرافق حضرية على مواقع كانت في السابق مقابر، في واحدة من أكثر التحولات العمرانية إثارة للانتباه في تاريخ العاصمة الروسية.
موسكو القديمة تتحول إلى مدينة حديثة
خلال الحقبة السوفيتية، ولا سيما بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين، شهدت موسكو عمليات واسعة لإعادة تنظيم المدينة وتغيير ملامحها بما يتناسب مع خطط تحويلها إلى عاصمة اشتراكية حديثة.
وشملت هذه التحولات عدداً من المقابر القديمة الواقعة داخل المناطق التي توسعت فيها المدينة. وأُغلقت مقابر وفُككت أخرى، بينما أزيلت شواهد قبور ومبانٍ دينية مرتبطة بمواقع الدفن.
ولم تكن الأسباب عمرانية فقط، إذ ارتبطت هذه المرحلة أيضاً بمحاولات إزالة العديد من الرموز المرتبطة بالعهد السابق، ضمن حملة أوسع لإعادة تشكيل المشهد الحضري والثقافي للمدينة.
مقابر تحولت إلى حدائق
من أبرز الأمثلة حديقة سيميونوفسكي، التي أُنشئت على موقع مقبرة سيميونوفسكي، التي كانت تُعد من أكبر مقابر موسكو قبل الثورة.
وكانت المقبرة تضم قبور عدد من المشاركين في الحرب الوطنية عام 1812، قبل أن تبدأ عمليات إغلاقها وإعادة تنظيم الموقع خلال الحقبة السوفيتية.
وأُغلقت أجزاء من المقبرة في ثلاثينيات القرن العشرين، بينما نُبشت القبور المتبقية وأُحرقت الرفات نحو عام 1946، وفقاً للمعلومات التاريخية المتداولة عن الموقع.
ومع ذلك، لم تختفِ آثار المقبرة بالكامل، إذ لا تزال أجزاء وشظايا من شواهد القبور القديمة موجودة في الحديقة، لتبقى شاهداً صامتاً على تاريخ المكان.
مقبرة داخل غابة تيميريازيفسكي
لكن ليس كل ما يرتبط بالمقابر في حدائق موسكو يعود إلى قرون مضت.
ففي حديقة تيميريازيفسكي شمال العاصمة، توجد مقبرة صغيرة وسط منطقة غابات، وتختلف قصتها عن المقابر القديمة التي أزيلت خلال إعادة تخطيط المدينة.
أُنشئت المقبرة عام 1941 لتكون مكاناً لدفن أعضاء هيئة التدريس والموظفين في الأكاديمية الزراعية، التي ارتبطت بتاريخ طويل من التعليم والبحث العلمي في روسيا.
ويضم الموقع قبور شخصيات علمية بارزة، من بينها عالم التربة فاسيلي ويليامز ومهندس الزراعة أليكسي فورتوناتوف.
آخر دفن قبل أكثر من عقدين
وعلى خلاف كثير من المقابر التاريخية التي أزيلت أو تغيرت معالمها، ظل موقع مقبرة تيميريازيفسكي محفوظاً.
ويعود آخر دفن فيها إلى عام 2002، ما يجعلها جزءاً حياً من ذاكرة المؤسسة العلمية التي ارتبطت بها، رغم أن الوصول إليها محدود إلى حد كبير.
حدائق تخفي طبقات من تاريخ موسكو
تكشف هذه المواقع جانباً غير مألوف من تاريخ العاصمة الروسية؛ فالحدائق التي تبدو اليوم أماكن للتنزه والاسترخاء قد تكون أقيمت فوق مواقع كانت تؤدي وظيفة مختلفة تماماً.
وبينما اختفت بعض المقابر القديمة نتيجة التوسع العمراني وإعادة تشكيل المدينة، بقيت آثار محدودة منها، سواء في شكل شواهد متناثرة أو مواقع محفوظة، لتذكّر بأن موسكو الحديثة بُنيت فوق طبقات متراكمة من التاريخ.




