ماتريوشكاهيدلاينز

بابوشكا.. المرأة التي تحمل ذاكرة العائلة الروسية

إعداد – روسيانا 

في كثير من البيوت، تبقى رائحة الطعام الذي تعدّه الجدّة، وحكاياتها القديمة، وذكرياتها عن أيام مضت، تفاصيل لا تُنسى مهما كبر الأبناء. وفي روسيا، تحمل كلمة «بابوشكا» (Babushka)، التي تعني الجدّة باللغة الروسية، معنى يتجاوز صلة القرابة، لترتبط لدى كثيرين بالرعاية العائلية والخبرة المتراكمة والذكريات التي تنتقل بين الأجيال.

لكن ما الذي يجعل الجدّة حاضرة في حياة كثير من العائلات الروسية؟ وهل يقتصر دورها على رعاية الأحفاد، أم أنها تؤدي دوراً أوسع في تشكيل العلاقات داخل الأسرة؟

«بابوشكا».. أكثر من مجرّد جدّة
تحتل الجدّة مكانة ملحوظة في صورة الأسرة الروسية التقليدية، إذ يمكن أن تكون مصدر دعم للأبناء في تربية أطفالهم، ومساعدة في شؤون المنزل، ومرجعاً عائلياً يستعين به أفراد الأسرة عند الحاجة إلى الخبرة والنصيحة.

ولا يقتصر هذا الدور على الانطباعات الثقافية؛ فقد تناولت دراسة جامعية أُجريت في المدرسة العليا للاقتصاد في روسيا العلاقات بين الأمهات والجدّات في رعاية أطفال مرحلة ما قبل المدرسة. وأظهرت المقابلات أن الجدّات يؤدين أدواراً مختلفة، منها رعاية الأحفاد، والمساعدة في شؤون المنزل، ونقل الخبرة العائلية.

وتشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين الأجيال ليست مجرد ارتباط عاطفي، بل قد تشكل أيضاً شبكة دعم يومية تساعد الأسرة على تنظيم حياتها.

من رعاية الأحفاد إلى نقل الخبرات
قد تساعد الجدّة أحفادها في الواجبات المدرسية، أو ترافقهم في نزهة، أو تعلّمهم مهارة منزلية اكتسبتها على مدى سنوات. وفي حالات أخرى، تكون الشخص الذي يلجأ إليه الأبناء عندما يحتاجون إلى المساعدة في تنظيم شؤون الأسرة.

وتكشف نتائج استطلاع أجراه مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام «فيتسيوم» عام 2024 عن تعدد هذه الأدوار. فقد ذكر المشاركون أن الأجداد يقضون الوقت مع أحفادهم من خلال اللعب والتنزه، والإشراف عليهم، وتقديم المساعدة المالية، وإعداد الأطعمة التي يحبونها، وتعليمهم المهارات العملية والمنزلية.

وتوضح هذه النتائج أن العلاقة بين الأجداد والأحفاد لا تتشكل من خلال الرعاية وحدها، بل أيضاً عبر الأنشطة اليومية البسيطة التي تمنح الطفل فرصة للتعلم والتواصل مع الجيل الأكبر.

وصفات الطعام والحكايات.. ذاكرة تنتقل بين الأجيال
في بعض العائلات، تصبح وصفة طعام تتناقلها النساء، أو حكاية عن طفولة أحد أفراد الأسرة، وسيلة للحفاظ على الذاكرة العائلية. وقد يتعلم الأحفاد من جدّاتهم كيفية إعداد أطباق منزلية، أو يستمعون إلى قصص عن حياة العائلة في الماضي.

ولا يعني ذلك أن جميع العائلات الروسية تتبع العادات نفسها، فالتقاليد تختلف بين المناطق والأسر، كما تتغير مع أنماط الحياة الحديثة. لكن نقل الخبرات والذكريات من جيل إلى آخر يظل أحد الأوجه الممكنة للعلاقة بين الأجداد والأحفاد.

وهنا لا تكون الجدّة مجرد شخص يروي الماضي، بل قد تساعد أفراد الأسرة الأصغر سناً على فهم جذورهم والتعرف إلى تجارب من سبقوهم.

هل ما زالت الجدّات يؤدين الدور نفسه في روسيا الحديثة؟
مع تغير أساليب الحياة والعمل وتربية الأطفال، لم تعد علاقة الجدّات بالأحفاد متطابقة في جميع الأسر. فبعض الجدّات يشاركن بصورة منتظمة في رعاية الأطفال، بينما تفضّل أخريات تخصيص وقت أكبر لحياتهن الشخصية واهتماماتهن الخاصة.

وقد تناول كتاب الباحثة آنا شادرينا، الصادر عن دار النشر التابعة لكلية لندن الجامعية عام 2025، ظاهرة «البابوشكا» في روسيا المعاصرة، وناقش التوقعات الاجتماعية التي تضع على النساء الأكبر سناً مسؤوليات كبيرة في رعاية الأحفاد وإدارة شؤون المنزل، وأثر ذلك في حياتهن الشخصية والاقتصادية.

ويفتح هذا الطرح جانباً مهماً للنقاش: فمساهمة الجدّة في الأسرة قد تكون مصدراً للدعم والتقارب، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عبء عندما يُنظر إلى رعاية الأحفاد على أنها واجب دائم، لا خيار يمكن للمرأة أن تقبله أو ترفضه.

لذلك، فإن فهم دور الجدّة في روسيا اليوم يتطلب النظر إلى جانبي العلاقة؛ ما تقدمه للأسرة، وما تحتاج إليه هي أيضاً من وقت واستقلالية ودعم.

علاقة تتجاوز حدود الأجيال
تُظهر التجارب العائلية والدراسات الاجتماعية أن علاقة الأجداد بالأحفاد يمكن أن تجمع بين المحبة والرعاية ونقل الخبرة، لكنها ليست علاقة واحدة تتكرر بالطريقة نفسها في كل بيت.

وفي روسيا، تظل «بابوشكا» رمزاً ثقافياً معروفاً للجدّة، فيما تكشف الدراسات أن دور النساء الأكبر سناً في حياة الأسرة قد يمتد إلى جوانب عملية واجتماعية تتجاوز الصورة الشائعة عن إعداد الطعام ورعاية الأطفال.

وفي النهاية، ربما لا يكمن سر العلاقة في العادات وحدها، بل في التفاصيل اليومية التي تصنع الذكريات، من نزهة قصيرة إلى وصفة عائلية، ومن نصيحة بسيطة إلى حكاية يتذكرها الطفل بعد سنوات طويلة.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى