نغمات من الهواء.. اختراع روسي حيّر العالم

إعداد – روسيانا
تخيّل عازفاً يقف أمام آلة موسيقية، يحرّك يديه في الهواء، فتخرج منها نغمات متصاعدة ومنخفضة من دون أن يلمسها. قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال، لكنه حقيقة تعود إلى بدايات القرن العشرين، عندما ظهر اختراع روسي غير مألوف حمل اسم «الثيرمين»، وأصبح من أبرز المحطات المبكرة في تاريخ الموسيقى الإلكترونية.
ابتكر الفيزيائي والموسيقي الروسي ليف تيرمين، المعروف عالمياً باسم ليون تيرمين، هذه الآلة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1917 و1919، قبل أن يعرضها أمام الجمهور عام 1920. وتميّزت عن الآلات التقليدية بقدرتها على إنتاج الموسيقى من خلال حركة اليدين بالقرب من هوائيين معدنيين، من دون الحاجة إلى مفاتيح أو أوتار أو تماس مباشر مع جسم الآلة.
كيف تتحول حركة اليد إلى نغمات؟
يعتمد «الثيرمين» على دوائر إلكترونية وهوائيات تولّد مجالات كهرومغناطيسية. وعندما يحرّك العازف يديه بالقرب منها، تتغيّر خصائص الإشارة الإلكترونية، فتتبدّل النغمات التي تصدرها الآلة.
يتحكم أحد الهوائيين بدرجة الصوت، بينما يتيح الآخر التحكم بمستوى ارتفاعه وانخفاضه. وبذلك يستطيع العازف تشكيل اللحن عبر حركات دقيقة للغاية، تتطلب تدريباً وتركيزاً كبيرين، لأن أصغر تغيير في موضع اليد قد يؤثر في النغمة الناتجة.
ولا تشبه طريقة العزف هذه تجربة العزف على البيانو أو الكمان؛ إذ يتعين على الموسيقي ضبط المسافات بين يديه والهوائيات باستمرار، من أجل الانتقال بين النغمات والحفاظ على دقتها.
صوت بين الإنسان والكمان
من أكثر ما يميز «الثيرمين» طبيعة صوته، الذي يمكن أن يبدو شبيهاً بالغناء البشري أو بنغمات الكمان والتشيلو، مع طابع إلكتروني مميز. وقد ساعد هذا الصوت غير التقليدي على لفت الانتباه إلى الآلة، خصوصاً في الأعمال الفنية التي تحتاج إلى أجواء غامضة أو خيالية.
ومع تطور الموسيقى الإلكترونية، وجدت الآلة طريقها إلى بعض الأعمال السينمائية والموسيقية، وأصبحت إحدى الوسائل التي استخدمها الفنانون لإنتاج أصوات يصعب الحصول عليها بالآلات التقليدية وحدها.
من مختبر روسي إلى المسارح العالمية
لم يبقَ الاختراع محصوراً في التجارب العلمية؛ فقد قدّم تيرمين عروضاً موسيقية بآلته، ثم اصطحبها إلى جولات خارج روسيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة في أواخر عشرينيات القرن الماضي. وفي عام 1928 حصل على براءة اختراع أمريكية للآلة، وبدأ إنتاج نماذج منها تجارياً.
لكن تعلّم العزف عليها لم يكن سهلاً، كما أن تكلفتها حدّت من انتشارها الواسع في بداياتها. ومع ذلك، واصل موسيقيون تطوير أساليب استخدامها، ومن بينهم العازفة كلارا روكْمور، التي أسهمت في إبراز إمكاناتها التعبيرية وقدرتها على أداء مقطوعات موسيقية معقدة.
اختراع صغير فتح باباً واسعاً
تتجاوز أهمية «الثيرمين» غرابة طريقة العزف عليه؛ فقد مثّل خطوة مبكرة في تطور الآلات الإلكترونية، وأظهر كيف يمكن تحويل الظواهر الكهربائية إلى وسيلة لإنتاج الموسيقى والتعبير الفني.
ولا يزال هذا الاختراع حاضراً في عالم الموسيقى حتى اليوم، سواء في العروض التي تستعيد أصواته المميزة أو في تجارب الفنانين الذين يستكشفون العلاقة بين الحركة والصوت والتكنولوجيا.
وهكذا، تحولت فكرة ابتكرها عالم روسي قبل أكثر من قرن إلى آلة موسيقية تثبت أن صناعة النغمات لا تتطلب دائماً لمس الأوتار أو الضغط على المفاتيح، بل قد تبدأ أحياناً بمجرد حركة يد في الهواء.




