من شاب ريفي إلى أسطورة روسية!

إعداد – روسيانا
في القرن الثامن عشر، كان من النادر أن تجد شخصاً يجمع بين المختبر وقاعة المحاضرات والمرصد وكتب الأدب في الوقت نفسه. لكن العالِم الروسي ميخائيل لومونوسوف اختار أن يسير في كل هذه الطرق معاً، تاركاً بصمته في مجالات علمية وثقافية متعددة.
ولد لومونوسوف عام 1711 في شمال روسيا، وانطلق من بيئة ريفية متواضعة قبل أن يغادر موطنه بحثاً عن التعليم. وصل إلى موسكو شاباً، وبدأ هناك رحلة دراسية قادته لاحقاً إلى ألمانيا، حيث تعمق في علوم الطبيعة والرياضيات والفلسفة.
بعد عودته إلى روسيا، تحول إلى أحد أبرز المدافعين عن البحث التجريبي. وفي مجال الكيمياء، أسهم في تطوير دراسة المواد والتفاعلات بالاعتماد على التجربة والملاحظة، وأنشأ مختبراً كيميائياً في سان بطرسبورغ ليكون مركزاً للبحث والتعليم.
وفي الفيزياء، انشغل بسؤال أساسي حول طبيعة الحرارة. وطرح تصوراً يرى أن الحرارة مرتبطة بحركة الجسيمات الدقيقة للمادة، وهي أفكار أصبحت لاحقاً جزءاً من الطريق الذي سلكته الفيزياء نحو النظرية الجزيئية للحرارة.
كما ارتبط اسمه بأفكار مبكرة حول حفظ المادة والحركة، في وقت كانت فيه الفيزياء والكيمياء تبحثان عن تفسير أكثر دقة للتحولات التي تحدث في الطبيعة.
أما السماء فكانت لها حكاية أخرى مع لومونوسوف. ففي عام 1761 راقب عبور كوكب الزهرة أمام قرص الشمس، ولاحظ تغيراً بصرياً عند حافة الكوكب قاده إلى استنتاج وجود غلاف جوي حول الزهرة، ليصبح ذلك من أشهر إسهاماته في علم الفلك.
وفي الوقت نفسه، كان يكتب في اللغة والأدب ويهتم بتطوير اللغة الروسية. وضع مؤلفات لغوية وكتب الشعر، وجمع بين الثقافة الأدبية والتفكير العلمي بطريقة جعلته شخصية استثنائية في عصره.
لكن مشروعه الأكبر ربما كان التعليم. فقد ساهم في تأسيس جامعة موسكو عام 1755، وهي المؤسسة التي أصبحت لاحقاً جامعة موسكو الحكومية التي تحمل اسمه، وتحوّلت إلى واحدة من أشهر الجامعات في روسيا.
امتدت اهتماماته كذلك إلى الجغرافيا والملاحة والجيولوجيا والأرصاد والأجهزة العلمية، وكأنه كان يرى أن المعرفة شبكة واحدة لا جزر منفصلة.
توفي لومونوسوف عام 1765، لكن حضوره استمر في المختبرات والجامعات والكتب الروسية. واليوم يحمل اسمه أحد أبرز الصروح الجامعية في البلاد، بينما بقيت أعماله شاهدة على مرحلة كان فيها العلم الروسي يبحث عن مكانه بين العلوم العالمية.
وربما لهذا السبب تحديداً بقي لومونوسوف خالداً: لأنه لم يكتفِ باكتشاف شيء جديد، بل ساهم في بناء بيئة كاملة للعلم والتعليم والثقافة في روسيا.





