روسيا الخفيةهيدلاينز

قلعة روسية بدأت برهان.. وانتهت حكاية من الحجر

إعداد – روسيانا 

في قلب غابات مقاطعة فلاديمير الروسية، تقف بقايا قلعة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انتقلت من إحدى الحكايات الأوروبية إلى الأراضي الروسية. أبراج دائرية، واجهات مستوحاة من العمارة القوطية، وأسقف حادة الارتفاع، فيما تحيط بها الأشجار وآثار حديقة واسعة.

إنها قلعة مورومتسيفو، المرتبطة باسم النبيل الروسي فلاديمير خراپوفتسكي، والتي تحولت مع مرور الزمن من مشروع معماري استثنائي إلى واحدة من أكثر الحكايات إثارة بين قصور روسيا التاريخية.

حكاية بدأت من منافسة مع القلاع الأوروبية
تتناقل المصادر المحلية رواية شهيرة تقول إن خراپوفتسكي شاهد خلال رحلاته في فرنسا قصوراً وقلاعاً فخمة، ودخل في نقاش مع بعض معارفه الفرنسيين حول العمارة الأوروبية.

وبحسب هذه الرواية، قيل له إن روسيا لا تملك قصوراً تضاهي روعة القلاع الأوروبية، فما كان منه إلا أن دخل في رهان على قدرته على بناء قلعة لا تقل فخامة عنها.

لكن هذه القصة تبقى رواية متداولة وليست حقيقة موثقة بصورة قاطعة؛ إذ يذكر الباحثون الروس أنها ظهرت في أكثر من صيغة، وتناقلتها كتب التاريخ المحلي وحكايات سكان المنطقة.

ومع ذلك، فإن ما حدث بعد ذلك جعل الحكاية تبدو وكأنها خرجت من صفحات رواية تاريخية.

مشروع أكبر من مجرد قلعة
استعان خراپوفتسكي بالمهندس المعماري بيوتر بويتسوف، الذي صمم القصر بأسلوب يمزج عناصر من العمارة الأوروبية، ولا سيما الطابع القوطي الجديد.

ولم يكن الهدف إنشاء مبنى منفرد، بل إقامة مجمع ضخم يضم القصر والمنشآت الخدمية والحدائق والبرك والمرافق المختلفة.

وتشير مصادر متحف فلاديمير وسوزدال إلى أن ملكية مورومتسيفو تحولت إلى مجمع معماري واسع، ضم قصراً وحدائق وبركاً متدرجة ومسرحاً صيفياً ومرافق للصيد والاستحمام وإسطبلات ومنشآت أخرى.

القصر ليس وحده صاحب الحكاية
المثير في مورومتسيفو أن خراپوفتسكي لم يكتفِ ببناء مقر فخم لنفسه.

فالمجمع شمل عدداً كبيراً من المنشآت، بعضها مخصص للحياة اليومية والعمل الزراعي وتربية الخيول، وبعضها للترفيه والخدمات.

كما امتلكت الضيعة تجهيزات اعتُبرت متقدمة بالنسبة إلى عصرها، بينها الكهرباء والمياه والهاتف والتلغراف، إلى جانب الحدائق والنافورات والممرات والجسور.

وبذلك تحولت مورومتسيفو إلى عالم متكامل، لا مجرد قصر منعزل وسط الغابات.

أغرب جزء في قصة الرهان
هنا تظهر واحدة من أكثر الروايات طرافة حول المكان.

تقول إحدى نسخ الحكاية إن خراپوفتسكي لم يكتفِ ببناء قصر يشبه القلاع الأوروبية، بل جعل بعض الإسطبلات والمنشآت الخاصة بالخيول تحمل ملامح معمارية فخمة تشبه القصور.

وتروي الأسطورة أنه دعا منافسه الفرنسي إلى مورومتسيفو، ثم أراه المبنى الذي ظنه الضيف قصراً فخماً، قبل أن يكتشف أنه مخصص للخيول.

هذه الرواية تحديداً يوردها باحثون روس باعتبارها جزءاً من التراث القصصي المرتبط بالضيعة، مع الإشارة إلى أن بعض عناصرها يمكن مقارنتها فعلاً بتفاصيل معمارية أوروبية، لكن لا توجد أدلة حاسمة تثبت حدوث المشهد كما ترويه الحكاية.

أكثر من سبعين مبنى حول القصر
بلغت طموحات المشروع حجماً لافتاً، إذ تشير دراسة تاريخية إلى أن أراضي الضيعة، التي امتدت على أكثر من 40 هكتاراً، شهدت إنشاء عشرات المباني والمنشآت، لكل منها وظيفة وتصميم خاص.

وضمت الملكية كذلك كنيسة ومرافق للخيل وحدائق ومسطحات مائية ومبانٍ خدمية، لتصبح مورومتسيفو واحدة من أبرز نماذج مجمعات النبلاء الروس في تلك الحقبة.

لم تكن حياة خراپوفتسكي كلها قصوراً

وراء القلعة قصة صاحبها نفسه.

كان فلاديمير خراپوفتسكي من طبقة النبلاء الروس، وارتبط اسمه بالتجارة في الأخشاب وإدارة ممتلكات واسعة. كما اهتم بالأعمال الخيرية والتعليمية، وتشير المصادر إلى أنه ساهم في إنشاء مدارس وورش ومرافق صحية في المنطقة المحيطة بممتلكاته.

وهذا الجانب يجعل مورومتسيفو أكثر من مجرد استعراض للثروة؛ فالضيعة كانت أيضاً مركزاً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً.

نهاية عصر القصر
لكن حياة القصور الروسية لم تستمر طويلاً.

مع التحولات السياسية الكبرى في روسيا، انتهى عهد خراپوفتسكي في مورومتسيفو، وانتقلت ممتلكات الضيعة إلى الدولة.

وتشير وثائق متحف فلاديمير وسوزدال إلى أن خراپوفتسكي أعد جرداً لممتلكاته وسلّمها إلى السلطات الجديدة، فيما خرج من روسيا مع زوجته، وانتهت حياته بعيداً عن ضيعته.

ومع مرور السنوات، تغيرت وظائف أجزاء من المجمع وتعرضت منشآته للتدهور، فيما بقيت أبنية القصر شاهدة على الطموح المعماري الذي عرفته مورومتسيفو.

قلعة بقيت رغم تغير الزمن
اليوم، لا تقف مورومتسيفو بالصورة التي أرادها لها صاحبها، لكن أبراجها وواجهاتها لا تزال تكشف حجم المشروع الذي أقيم وسط غابات فلاديمير.

وتحتفظ الضيعة بمكانتها ضمن التراث المعماري الروسي، فيما يضم مجمعها متحفاً ومركزاً للزوار ومعروضات تتناول تاريخ مورومتسيفو وأصحابها، وفق بيانات متحف فلاديمير وسوزدال.

حكاية بين التاريخ والأسطورة
ربما لا نستطيع الجزم بأن قلعة مورومتسيفو بُنيت فعلاً نتيجة رهان كما تروي الأسطورة، لكن المؤكد أن صاحبها أراد إنشاء مجمع استثنائي يجمع بين الفخامة والطابع الأوروبي والقدرات التقنية الحديثة لعصره.

ولهذا بقيت الحكاية حيّة: قلعة روسية وسط الغابات، صممها نبيل مفتون بعمارة أوروبا، وأحاطها بمجموعة من المباني والمنشآت التي جعلت مورومتسيفو أشبه بعالم مستقل.

أما الرهان، فربما كان حقيقة، وربما أضاف الزمن إليه شيئاً من الخيال… لكن القلعة نفسها بقيت شاهداً على أن خراپوفتسكي أخذ التحدي، أياً كان مصدره، إلى أقصى حد

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى