
إعداد – روسيانا
قبل ظهور التصوير المقطعي المحوسب والتصوير بالرنين المغناطيسي بوقت طويل، كان الأطباء يعتمدون على التشريح المباشر لفهم ما يحدث داخل جسم الإنسان. لكن هذه الطريقة كانت تحمل مشكلة أساسية: بمجرد فتح الجسم، تتحرك الأعضاء وتتغير مواقعها، ما يجعل من الصعب معرفة وضعها الطبيعي بدقة.
في القرن التاسع عشر، حاول الجراح الروسي نيكولاي بيروغوف حل هذه المشكلة بطريقة بدت بسيطة في فكرتها، لكنها كانت ثورية في نتائجها: تجميد الجثة بالكامل، ثم تقطيعها إلى شرائح، ودراسة الجسم طبقة بعد أخرى.
وبهذه الطريقة، وضع بيروغوف أساس عمل تشريحي غير مسبوق، مكّنه من تسجيل العلاقة الدقيقة بين الأعضاء والأنسجة وإعادة تصور الجسم البشري في ثلاثة أبعاد، قبل أن يعرف العالم بوقت طويل أجهزة التصوير الطبي الحديثة.
مشكلة التشريح التقليدي
كانت كتب التشريح في منتصف القرن التاسع عشر تعتمد بدرجة كبيرة على ما يراه الجراح أثناء تشريح الجثث الطازجة. ورغم أهمية هذه الطريقة، فإنها لم تكن تقدم دائماً صورة دقيقة عن الوضع الطبيعي للأعضاء.
فعند فتح الصدر أو البطن، يمكن أن تتحرك بعض الأعضاء أو تتغير علاقاتها المكانية، كما أن عملية التشريح نفسها تؤثر في شكل الأنسجة وتوزيعها.
لاحظ بيروغوف أن الاعتماد على هذه الصور وحدها قد يؤدي إلى تقديم تصور غير دقيق للطلاب والأطباء عن البنية الداخلية للجسم، ولذلك بدأ البحث عن وسيلة تحافظ على الأعضاء في مواضعها قدر الإمكان.
الفكرة التي جاءت من التجميد
جاء الحل من خلال استخدام درجات الحرارة المنخفضة.
كان بيروغوف يعمل على تجميد الجثث حتى تصبح صلبة بما يكفي لتقطيعها من دون أن تفقد الأعضاء والأنسجة علاقاتها المكانية الطبيعية. وكانت الجثث تُحفظ عند درجات حرارة تقارب 25 درجة مئوية تحت الصفر لعدة أيام.
بعد أن تتجمد بالكامل، تبدأ المرحلة الأكثر دقة: تقطيع الجسم إلى شرائح باستخدام منشار ميكانيكي، للحصول على مقاطع متتالية يمكن فحصها ودراستها.
لم تكن الغاية مجرد تشريح الجثة، بل تسجيل الجسم كما هو في وضعه الطبيعي، طبقة بعد أخرى.
ثلاثة اتجاهات لرؤية الجسم
اعتمد بيروغوف على تقطيع الجثث في ثلاثة مستويات متعامدة، ما سمح بالحصول على صورة أكثر شمولاً للبنية الداخلية للجسم.
وكانت الشرائح بسماكات محددة، مع ترك مسافات بينها، بحيث يمكن دراسة التغيرات في مواضع الأعضاء والعضلات والعظام والأوعية الدموية من مقطع إلى آخر.
وبجمع هذه المقاطع، أصبح بالإمكان تكوين تصور أقرب إلى النموذج ثلاثي الأبعاد لجسم الإنسان.
وهنا تكمن أهمية التجربة: بيروغوف لم يكن يكتفي برؤية عضو منفرد، بل كان يحاول فهم العلاقات المكانية بين مختلف أجزاء الجسم.
من الجثة المجمدة إلى الورق
لكن الحصول على الشرائح لم يكن سوى نصف المهمة.
كان على بيروغوف تحويل ما يراه إلى رسوم دقيقة يمكن للأطباء والطلاب الرجوع إليها. ولهذا استخدم شبكة من المربعات توضع فوق سطح المقطع، ثم جرى رسم حدود التراكيب التشريحية التي تظهر في كل شريحة.
شملت الرسومات العضلات والعظام والأوعية الدموية والأعضاء الداخلية وغيرها من التراكيب.
ساعدت الشبكة على نقل التفاصيل إلى الورق بدقة، بحيث يمكن الحفاظ على النسب والمواقع قدر الإمكان. ومع تتابع المقاطع، أمكن مقارنة موقع العضو في مستويات مختلفة وإعادة بناء علاقته بما يحيط به.
كانت هذه الطريقة أشبه بمحاولة بناء نموذج تشريحي من مئات الصور المتتابعة، لكن باستخدام أدوات القرن التاسع عشر.
أطلس تشريحي سبق عصره
استغرق المشروع سنوات طويلة من العمل، وانتهى إلى أطلس تشريحي ضخم حمل عنوان «التشريح الطبوغرافي، مُصوَّر بمقاطع عرضية لجسم الإنسان المُجمَّد في ثلاثة اتجاهات».
نُشر العمل في أربعة مجلدات، وضم 224 لوحة وأكثر من ألف رسم بالحجم الطبيعي، ليصبح واحداً من أبرز الأعمال التي وثقت التشريح البشري في ذلك العصر.
ولم تكن قيمة الأطلس في عدد رسوماته فحسب، بل في الطريقة التي عُرضت بها الأعضاء داخل الجسم وعلاقاتها المتبادلة.
اكتشافات كشفتها الطريقة الجديدة
أظهرت المقاطع المجمدة أن الوضع الفعلي لبعض الأعضاء داخل الجسم يمكن أن يختلف بصورة ملحوظة عن الصورة التي قد يراها الجراح أثناء التشريح التقليدي.
وكان القلب والمعدة والأمعاء من بين الأعضاء التي لفتت الانتباه إلى هذه الاختلافات.
وبفضل الحفاظ على الجسم في حالة ثابتة قبل التقطيع، أصبح بالإمكان دراسة الأعضاء في مواضع أقرب إلى حالتها الطبيعية، وهو ما منح الجراحين والأطباء أداة تعليمية أكثر دقة.
قبل الأشعة بقرن تقريباً
اليوم، يستطيع الأطباء الحصول على مئات أو آلاف الصور المتتابعة لجسم الإنسان خلال فحوص التصوير المقطعي أو الرنين المغناطيسي، ثم تحويلها إلى نماذج ثلاثية الأبعاد تساعد في التشخيص والتخطيط للعمليات الجراحية.
أما بيروغوف، فلم يكن يمتلك أجهزة إلكترونية ولا حواسيب ولا تقنيات تصوير متقدمة.
كان لديه جثة مجمدة، ومنشار، وشبكة قياس، وأدوات للرسم.
ومع ذلك، كانت الفكرة الأساسية قريبة بصورة لافتة من مبدأ التصوير المقطعي الحديث: تقسيم الجسم إلى مقاطع متتابعة، ثم استخدام هذه المقاطع لفهم البنية الداخلية والعلاقات المكانية بين الأعضاء.
إرث طبي تجاوز القرن التاسع عشر
لم يكن مشروع بيروغوف مجرد تجربة غريبة في تاريخ الطب، بل مثّل تحولاً في طريقة دراسة التشريح.
فبدلاً من النظر إلى الجسم على أنه مجموعة أعضاء منفصلة، أتاح منهجه دراسة الجسم بوصفه بنية متكاملة تتداخل فيها الأعضاء والأنسجة والأوعية والعظام ضمن علاقات مكانية دقيقة.
ولهذا بقي اسمه مرتبطاً بتاريخ التشريح والجراحة، فيما تبدو طريقته اليوم، رغم بساطة أدواتها، وكأنها محاولة مبكرة لبناء نموذج ثلاثي الأبعاد لجسم الإنسان قبل أن تصبح هذه الفكرة جزءاً أساسياً من الطب الحديث.
من الثلج إلى التكنولوجيا
المفارقة اللافتة في قصة بيروغوف أن التقنية التي استخدمها تبدو بدائية جداً مقارنة بما يملكه الطب اليوم، لكنها قامت على سؤال علمي لا يزال جوهرياً حتى الآن: كيف نرى ما يوجد داخل جسم الإنسان من دون أن نغيّر موضعه أو بنيته؟
اختار بيروغوف التجميد والتقطيع والرسم للإجابة عن هذا السؤال، بينما أصبحت الإجابة في عصرنا تعتمد على الأشعة والحواسيب والنماذج الرقمية.
وبين الطريقتين يمتد أكثر من قرن من التطور الطبي، لكن الفكرة الأساسية بقيت واحدة: تحويل جسم الإنسان إلى مقاطع يمكن قراءتها وفهمها وإعادة تركيبها، للوصول إلى صورة أكثر دقة لما يوجد تحت الجلد.




